سيد ابراهيم الموسوي القزويني

58

ضوابط الأصول

في دلالة الصّيغة على النّدب الأصل أيضا وان كان المراد من الأصل استصحاب الوضع السّابق فهو في لسان البشر غير معلوم حتّى يستصحب وفيه انا نختار الشقّ الاوّل من التّرديد وهو ان المراد من الأصل هو اصالة عدم تعدّد الوضع ونقول الواضع للألفاظ هو اللّه تعالى للملائكة والبشر وقولك ان الشكّ ح في الحادث قلنا إن قلنا بكون الامر الحادث بالنسبة إلى البشر وضعا آخر لزم خلاف أصلين أحدهما تبدّل الاخبار وثانيهما الوضع وليسا موجودين بوجود واحد وان قلنا بكونه اخبارا لم يلزم الا خلاف أصل واحد مع أن هذا الايراد انما يرد إذا كان المراد عن الامر في قوله تعالى إذ أمرتك هو الامر الصادر منه تعالى حين تكليف الملائكة بالسّجود في زمان الخطاب بالملائكة في عالم الامر وقد عرفت في الايراد الخامس ان الكلام انّما هو بالنّسبة إلى صيغة اسجدوا الواقعة في الحكاية في قوله تعالى وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا * فنقول لا ريب في ان المراد باسجد الواقع في الحكاية خطابا للبشر وهو الوجوب فإن كان ظاهرا فيه فهو المط وإلا لزم الخطاب بما لا يفهم المراد منه لظهوره في الخلاف ومن جملة الادلّة المشهورة قوله تعالى فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ والمراد بالفتنة العذاب الدنيوي وبالعذاب الأليم العذاب الأخروي فإنه تعالى هدّد مخالف الامر بإصابة العذاب فيكون مخالف الامر عاصيا والعصيان فرع الوجوب فان قلت معرفة كون صيغة افعل وما بمعناها للوجوب موقوفة على معرفة كون الآية مفيدة للوجوب وهي موقوفة على معرفة كون فليحذر للوجوب وهي موقوفة على معرفة كون صيغة افعل وما في معناها للوجوب فذلك الاستدلال دورىّ قلنا أولا نمنع توقف معرفة كون صيغة فليحذر للوجوب على معرفة كون صيغة افعل وما في معناه للوجوب فان كون فليحذر للوجوب مستفاد من سياق الآية الشريفة لان المقام مقام التخويف والتحديد مضافا إلى انّه لا يعقل كون الحذر والامر به مندوبا لان المقتضى له إن كان موجودا وجب وإلّا فلا يحسن الحذر فالامر به كاشف عن وجوبه وعن وجود المقتضى له لا يقال إن المقتضى للحذر إن كان مقطوع الوجود أو مظنون الوجود وجب الحذر والامر به وان كان مقطوع العدم كان الامر به قبيحا وإن كان مظنون العدم أو مشكوك الطرفين فلا شك في حسن الامر الاستحبابي ح كما ورد الامر بالحذر في فعل بعض المكروهات وترك بعض المستحبات كالنّهى عن الغسل بالماء المشمّس لايراثه البرص الّذى هو الفتنة وكما ورد ان من لم يفرق شعر رأسه فرق اللّه رأسه ؟ ؟ ؟ بمشار من النار مع أنه مستحب فاذن يحتمل كون الامر هنا بالحذر ندبيّا لا وجوبيّا لأنا نقول إنه تعالى هدد مخالف الامر بإصابة العذاب الدّنيوى أو الأخروي فكلّ امر يكون مخالفته محتملة للعذاب الأخروي إذ الترديد انّما هو بالنسبة إلى كلّ من الأوامر فيجب كون كل فرد للوجوب والا لما احتمل العذاب الأخروي عند المخالفة لان فعل المكروه وترك المستحب لا عذاب الأخروي فيهما والا صارا حراما وواجبا والروايتان ضعيفتان أو على شدّة الكراهة وتاكّد الاستحباب محمولتان فيتم الدّلالة فيندفع الدور فان قلت سلمنا ذلك وان فليحذر للوجوب لكن نقول إذا كان صيغة افعل وما في معناها مشتركة بين الوجوب والندب لفظا أو معنى فمجرّد الصدور بلا قرينة يحتمل كونه للوجوب حتّى يعاقب على تركه وكونه للندب حتى لا يكون عقاب فمع احتمال الامرين وجب الامتثال دفعا للضّرر المحتمل فنقول ح ان الحذر قد وجب مع كون الصّيغة مشتركة لفظا أو معنى فلا يثبت من وجوب الحذر بمحض الامر كونه للوجوب قلنا إذا كانت مشتركة لفظيّة أو معنويّة وصدرت بلا قرينة دار الامر بين الوجوب والاستحباب فيعمل بأصل البراءة لا بالاحتياط كما ستعرف في بحث اصالة البراءة فلا معنى لوجوب الحذر عن المستحب الظّاهرى كالمستحب الواقعي فوجوب الحذر لا يمكن الا بكون الامر للوجوب لا غير ونقول ثانيا في دفع الدّور انا لا نم توقف استفادة الوجوب من الآية الشريفة على كون فليحذر للوجوب بل نحمله على الارشاد حذرا من لزوم تعدّد العقاب على ترك امر واحد أحدهما لترك المأموريّة والآخر لمخالفة الامر بالحذر وذلك خلاف الاجماع فلا يمكن حمل فليحذر على الوجوب فلا بدّ من حمله على الارشاد ومع ذلك نفهم الوجوب لان عادة أهل العرف جارية على الارشاد في المقامات التي يكون المقتضى فيهما موجودا فيفهمون من الارشاد اللزوم ويوجبونه على أنفسهم وان لم يقصد من اللّفظ الّا الارشاد مضافا إلى انا نفهم وجوب الحذر من مادّة فليحذر مع قطع النّظر عن كون الصّيغة للوجوب أو الندب أو الارشاد لان الحذر لا يتحقق ولا يليق الّا عند تحقق مقتضيه وفيما نحن فيه إن كان المقتضى موجودا وجب الحذر والّا لم يحسن كما مرّ آنفا فان قلت الآية الشريفة لا لتثبت الّا كون مادّة الامر للوجوب لمكان قوله عن امره وهو خلاف المقصود قلنا لا شك في صدق الامر على طلب اللّه ورسوله بالصيغة المجرّدة للعرف وفي ان كلّ طلب صدر منهما بالصّيغة المجردة وجب الحذر للآية الكريمة فثبت المط فان قلت إن يخالفون متعدّ بنفسه لقوله خالفته أو خالفتنى فتعديته بعن في الآية الشريفة لا يصحّ الّا بتضمين الاعراض فالمعنى يخالفون معرضين عن امره ولا ريب ان ذلك حرام وإن كان الامر للندب فالامر بالحذر عن ذلك لا يدلّ على كون الامر للوجوب قلنا إن العرف شاهد على صحّة معنى الآية حتى مع عدم التّضمين إذ من الافعال المتعدّية بنفسها ما يصحّ تعديته بنفسه يصحّ تعديته بحرف الجرّ أيضا بدون التضمين كقوله شكرته وشكرت له فان قلت إن مخالفة الامر كما يحصل بترك المأمور به كذا يحصل بحمل الواجب على الندب وبالعكس فيحتمل المراد من الآية الشريفة هذا المعنى وهو لا ينافي كون نفس الامر للندب فان الامر الندبي مخالفته بهذا المعنى حرام أيضا قلنا المتبادر هو المعنى الاوّل فان قلت قوله تعالى عن امره مطلق وهو يتحقق في ضمن فرد واحد أيضا فيجب الحذر من مخالفة امر من أوامره فيكون هو واجبا لا كل الأوامر لا يقال لفظ امره مصدر مضاف مفيد للعموم لاطراد الاستثناء كما عنه يقال اعجبنى ضربه ؟ ؟ ؟ زيد الا ضربه الفلاني ومن العموم يثبت المط لأنا نقول إن المصدر المضاف وان احتمل كلا من الجنس والعموم والعهد الذهني والخارجي لكنه بحسب الوضع لا يفيد الّا الاوّل لان المصادر المعرة عن اللّام والتنوين تفيد الماهّية من حيث هي هي كما هو المشهور