محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي

5

رسالة في حجية الظن

الشيء عن البيان وعلل بان الفرق بين الوضع والتكليف ممّا لا يخفى على من له أدنى مسكة والتكاليف المبنية على الوضع غير الوضع والكلام انّما هو في نفس الوضع وبالجملة قول الشّارع دلوك الشمس سبب الصّلاة والحيض مانع عنها خطاب وضعىّ وان استتبع تكليف أو هو ايجاب الصّلاة عند الزّوال وتحريمها عند الحيض كما أن قوله تعالى أقم الصّلاة لدلوك الشّمس وقوله صلّى اللّه عليه وآله دعى الصلاة أيام أقرائك خطاب تكليفي وان استتبع وضعا وهو كون الدّلوك سببا والاقراء مانعا والحاصل ان هناك امرين متباينين كلّ منهما فرد للحكم فلا يعنى استتباع أحدهما للآخر عن مراعاته واحتسابه في عداد الاحكام أقول انه لو كان التكاليف المبنية على الوضع غير الوضع بلا كلام فلا مجال للكلام في الوضع لوضوح ان الوضع غير التكليف على ذلك أيضا بلا كلام قضيّته ان مغايرة شيء لشيء يقتضى مغايرة الشيء الثّانى أيضا للشيء الأول نعم التكاليف المشار إليها لا كلام في ثبوتها بالأصالة والكلام في استقلال الوضع ورجوعه إليها ولعلّه أراد ان يذكر ذلك لكنّه ما ذكر من باب الخلط والاشتباه وأيضا الظّاهر بل بلا اشكال ان المقصود بالاستتباع هو تعقّب بيان السّببيّة والمانعيّة في دلوك الشّمس سبب للصّلاة والحيض مانع عنها بالدلالة على الوجوب والحرمة وتعقب الايجاب والتحريم في أقم الصّلاة لدلوك الشمس ودعى الصّلاة أيام أقرائك بالدلالة على السببيّة والمانعيّة لا انّ المفهوم من العبارة في المثالين الأولين هو الوضع بالمطابقة والتكليف بالالتزام بملاحظة ان الظّاهر ابتناء الوضع على التكليف والمفهوم من العبارة في المثالين الأخيرين هو التكليف بالمطابقة والوضع بالالتزام بملاحظة ان الظّاهر ابتناء التكليف على الوضع نظير الاستدلال على دلالة النّهى على الفساد بان الظّاهر من النّهى كون الحرمة من جهة الفساد إذ لا مجال لاستناد الوضع إلى التكليف والامر بالعكس مع أنه لا مجال لاختلاف الناشى والمنشإ ولو مع اختلاف المورد وأورد بانّه إذا قال المولى لعبده أكرم زيدا ان جاءك فهل يجد المولى من نفسه انّه انشاء إنشاءين وجعل امرين أحدهما وجوب اكرام زيد عند مجيئه والآخر كون مجيء زيد سببا لاكرامه أو ان الثاني مفهوم منتزع من الاوّل لا يحتاج إلى جعل مغاير للجعل الأول ولا إلى بيان مخالف للبيان الاوّل ولذا اشتهر في السّنة الفقهاء سببيّة الدلوك ومانعيّة الحيض ولم يرد من الشّارع الّا انشاء طلب الصّلاة عند الاوّل وطلب تركها عند الثّانى فان أراد تباينهما مفهوما فهو اظهر من أن يخفى كيف لا وهما محمولان مختلفا الموضوع وان أراد كونهما مجعولين بجعلين فالحوالة على الوجدان لا البرهان وكذا لو أراد كونهما مجعولين بجعل واحد فان الوجدان شاهد على أن السّببيّة والمانعيّة في المثالين اعتباران منتزعان كالمسببيّة والمشروطية والممنوعيّة مع أن قول الشّارع دلوك الشّمس سبب لوجوب الصّلاة ليس جعلا للايجاب استتباعا كما ذكره بل هو اخبار عن تحقق الوجوب عند الدلوك هذا كله مضافا إلى أنه لا معنى لكون السّببية مجعولة حتّى يتكلّم في انه بجعل مستقل أو لا فانا لا نعقل من جعل الدلوك سببا للصّلاة الا انشاء الوجوب عند الدلوك والا فالسّببية القائمة بالدلوك ليس من لوازم ذاته بان يكون فيه معنى يقتضى ايجاب الشارع فعلا عند حصوله ولو كانت لم تكن مجعولة ولا نعقلها أيضا صفة أوجدها الشّارع فيه باعتبار الفصول المنوعة ولا الخصوصيّات المصنفة أو المشخّصة أقول انّه لو قيل إن جئتني أعطيك درهما أو ان اكلت السمّ تموت أو ان تبت تصير عادلا فمقتضى الاشتراط النّحوى انما هو السببيّة المذكورة الّا انّها جعلية في الاوّل وعادية في الثّانى وشرعيّة في الأخير ولو أفاد الاشتراط للسّببيّة فيما خلى عن إفادة التكليف كما في الأمثلة المذكورة فهو يفيد السّببية فيما كان مفيدا للتكليف مثل ان جاءت زيد فأكرمه بالقطع واليقين إذ لا مانع عن إفادة السّببية غير إفادة الوجوب وليس إفادة الوجوب قابلة للمنع عن إفادة السّببية بلا شبهة ومن ذلك أنه لو امر بشيء مقيدا بالعبادة نحو اقرأ السّورة في الصّلاة أو توضأ للصّلاة أو نهى عن شيء مقيّد بالعبادة نحو لا تكتف في الصّلاة فالامر يدل على الوجوب والجزئية في المثال الاوّل والوجوب والشرطية في المثال الثّانى ويدل النّهى على المانعة والحرمة في المثال الثّانى يتأتى الفساد في الاوّلين بترك السّورة وترك الوضوء سهوا ويتأتى الفساد في الأخير بالتكتف شهرا أيضا وان لا يطرد الوجوب والحرمة في حال السّهو فالامر فيما ذكر من باب الاشتراط والممانعة لا الواجب في الواجب أو الحرام في الواجب وما ربما قيل من دلالة الامر والنّهى في المثالين على خصوص الحكم الوضعي اعني الجزئية في الأوّل والممانعة في الثاني فقط ليس بشيء وكذا ما ربما قيل من انّ