محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي
46
رسالة في حجية الظن
وبعد ملاحظة هذا يندفع ما يتوهم من أنه كيف يجتمع هذا مع القول بكون الاحكام ثابتة في نفس الامر في كل شيء على نهج مستقرّ ثابت وان التّصويب باطل والحاصل ان المقصود بالذات من الخطاب وان كان حصول نفس الحكم النفس الامرى لكن يظهر من جعل الشارع مناط التفهيم النطق بالألفاظ التي جرت عادة اللّه سبحانه بأنها لا تفيد في الأغلب اليقين انّه راض بهذا الظنّ ويكتفى به عما أراده في نفس الامر لأنه غير فاقد للمصلحة أيضا وقد نقلنا كلامه بطوله لكثرة فوائده قوله جرت عادة اللّه سبحانه بانّها لا تفيد في الأغلب اليقين مقتضاه انه لو أفادت الالفاظ للعلم لكان المفاد عين الحكم النّفس الامرى لكنه كما ترى لوضوح عدم لزوم مطابقة الواقع في الجزم مضافا إلى أن مقتضاه كون دلالة الالفاظ بعادة اللّه سبحانه وهو كما ترى فهاهنا دعوى امرين الأول بقاء التّكاليف الواقعيّة ويرشد اليه انّ مقتضى كلام جماعة الاجماع على بقاء التكاليف الواقعيّة كما يظهر ممّا مرّ والانصاف انه لا حاجة إلى التمسّك بنقل الاجماع والامر كاد ان يكون ضروريّا بل هو ضروري ومع هذا نقول إن الضّرورة قضت ببقاء التكاليف الواقعيّة من دون اختلاف بثبوت الطّريق من العلم أو العلمي وعدمه نظير ما ذكره بعض أهل الكتاب في الإيراد على السّيّد السّند النجفي حيث منع تبعا لما روى عن الرّضا عليه السّلم في المناظرة مع صاحب الجاثليق عن نبوّة موسى أو عيسى الذي لم يخبر بنبوّة سيّد الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله جوابا عن استدلال البعض المذكور على نبوّة موسى أو عيسى بانّها القدر المتيقن من انّ نبوّة موسى أو عيسى لا تشتبه على أحد من المسلمين ولا يختلف حالها بالاخبار بنبوّة سيّد الأنبياء صلى اللّه عليه وآله وعدمه الّا ان يقال إن أقصى ما قضى به الضّرورة عدم سقوط التّكاليف حتى التّكاليف الظّاهرية واهمال أمرنا بالكلّية لابقاء التّكاليف الواقعية إلّا ان يقال إن ضرورة عدم السّقوط ناشية من ضرورة البقاء نظير ما أوردنا به على المحقق القمّى فيما ذكره في باب الشك في المكلّف به من أنه لولا الاجماع على حجيّة ظن المجتهد لكان مقتضى الأصل جواز ترك المكلف به بالكلّية من أن الاجماع المذكور من باب الاجماع على لزوم امتثال التكليف الأولى وشمول الاطلاق لحال الجهل لا من باب الاجماع على حكم ثانوىّ الّا ان يقال إن الاجماع وان كان حاله كما ذكر لكن الامر في المقام لو كان من باب انقلاب التكليف الواقعي إلى التكليف الظّاهرى فليس بقاء التكليف الظاهري من باب بقاء التكليف الواقعي وليس ضرورة عدم السّقوط من باب ضرورة البقاء ومع هذا نقول انّه لولا بقاء التكاليف الواقعيّة يلزم التّصويب ولا معنى للتخطئة المتفق عليها عند الأصحاب على تقدير عدم بقاء التّكاليف الواقعية والمقصود بالتخطئة هو ان كلّ شيء محل حكم من جانب اللّه سبحانه على حسب ما يقتضيه المصلحة والمفسدة الواقعيّة فان علم بها المكلّف كان هذا حكما واقعيّا وحكما ظاهريّا بناء على مطابقة العلم للواقع والا كان حكما ظاهريّا فقط وعلى ما ذكر يجرى الحال في الظنّ المعتبر وان لم يعرفها لا بالعلم ولا بالظّن المعتبر عموما أو خصوصا مع الفحص فلا تثريب عليه إلّا ان يقال إن من يمنع عن البقاء يلزمه القول بالاهمال فلا يقول بحجيّة ظنّ المجتهد حتّى يلزم التّصويب الّا ان يقال إن ذلك المقال من باب المماشاة والتنزّل عن الاهمال بان من يمنع عن البقاء ان انكر حجيّة ظن المجتهد فيلزم الاهمال وان قال به فيلزم التّصويب ومع هذا نقول انّه لو لم يتعيّن البقاء فلا يتعيّن الانقطاع فلا اقلّ من الشك في البقاء فالاستصحاب يقتضى البقاء على حسب المعنى المقصود بالبقاء بناء على اعتبار الاستصحاب في باب الشكّ في اقتضاء المقتضى إذ الشكّ في المقام من باب الشك في اقتضاء المقتضى الّا ان يقال إن الاستصحاب لا يفيد الظنّ بالبقاء في باب الحكم سواء كان المشكوك بقائه من الاحكام المستمرة نوعا إلى يوم القيمة بعد فرض الشّك في الاستمرار شخصا بكون الشّك في اقتضاء المقتضى كالشك في الخيار أو وجوب ردّ السّلام من حيث الفوريّة وعدمها أو غيره كالشّك في أنت خلية وبريّة من حيث وقوع الطّلاق به أو كان الشك في استمرار الأحكام المجعولة في زمان انفتاح باب العلم وان كان مقتضى ما ذكره المحقق القمّى من الاستقراء في افراد الممكن واحكام الموالى والعبيد والاحكام الشّرعية القول بالظّن بالبقاء في باب استصحاب الاحكام لكن كلامه في الشك في اختصاص الحكم بآن الصّدور أو زمان الحضور لا في الشكّ في الاحكام المستمرّة إلى يوم القيمة واخبار اليقين لا تشمل المقام وان قلنا بشمولها للشّكّ في اقتضاء المقتضى في باب الاحكام المستمرّة إلى يوم القيمة كما هو الأظهر كما انّها لا تشمل استصحاب الحكم الثّابت في زمان الصّغر أو في بعض الشّرائع السّابقة على الوجه وان قلت إنه لا مجرى للاستصحاب