محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي

47

رسالة في حجية الظن

في الباب لاختلاف الموضوع إذ التكاليف انما كانت متوجّهة إلى المشافهين ولا مجال لاستصحاب تكليف المشافهين في حق المعدومين إذ المشافهة غير المعدوم بل مقتضى اصالة البراءة عدم ثبوت التكليف في حق المعدومين بناء على شمول الاطلاقات لصورة انسداد باب العلم والمعدوم في عرض الموجود ولا مجرى للاستصحاب وان تاخّر زمان المعدوم نظير انه يعمل أصل البراءة في باب الشكّ في المكلف به ويقدم على الاستصحاب بواسطة كون أصل البراءة في الزّمان الاوّل وكون الاستصحاب في الزمان الثاني قلت أو لا انه لو فرضنا تمادى زمان بعض المشافهين إلى زمان الانسداد فلا ريب في جريان الاستصحاب في الباب فيطرد التكليف في حق أمثالنا من باب القطع بعدم الفرق وثانيا ان الاحكام الوضعيّة لا يختصّ بالمشافهين إذ الكلام في اختصاص الخطاب بالمشافهين انما هو فيما لو كان الخطاب بصيغة الخطاب النّحوى فلو شككنا في ارتفاع النجاسة وبقائها مثلا بعد انسداد باب العلم فمقتضى الاستصحاب بقاء النجاسة إلّا ان يقال إنه لا باس به فيما لو كان الشكّ في قرب من زمان الانفتاح واما لو طال الفصل بين زمان الانفتاح وزمان الانسداد كزماننا فشمول اخبار اليقين له محلّ الإشكال إلّا انّه مدفوع بأنه يجرى الاستصحاب فيما بعد زمان الانفتاح إلى زماننا هذا لا في زماننا ابتداء حتى يتأتى الاشكال في شمول اخبار اليقين لمثله كيف لا وتخلّل الفصل يمانع عن جريان الاستصحاب الّا ان يقال إن الظاهر من اخبار اليقين ما لو كان اليقين والشكّ واقعين في زمان الشخص ولا يشمل اخبار اليقين لمثل ما ذكر أو يقال انّه يستلزم اجراء الاستصحاب في حق الغير إذ أهل أزمنة الانسداد من بدوه إلى يومنا هذا جمع كثير واجراء الاستصحاب فيما بعد زمان الانفتاح إلى يومنا هذا يستلزم اجرائه في حق الجمع المشار إليهم ولا عبرة بالاستصحاب في حق الغير فالاستصحاب على الوجه المذكور فاسد الابتداء فهو فاسد بالكليّة ولا مجال للتمسّك به في حقنا إلّا ان يقال إن الاستصحاب في حقّ الغير انما هو في استصحاب الحكم المتشخص المتقوّم بالغير كما في استصحاب طهارة لباس الغير مع عدم الحاجة اليه ومنه استصحاب الطّهارة من كل من واجدى المنى في ثوب واحد بالنّسبة إلى الآخر مع عدم الحاجة اليه كما في الاقتداء من أحدهما بالآخر مع لبس الثوب المشار اليه واما فيما نحن فيه فالمستصحب انما هو الحكم الكلّى المتقوّم بموضوع كلّى فلا يكون الاستصحاب في المقام من باب الاستصحاب في حق الغير وثالثا انه لو تعلّق الوجوب بصلاة الجمعة مثلا مع دوران الامر بين كون الخطاب على وجه الاختصاص باهل الحضور أو العموم بجميع الناس إلى يوم القيمة فلا شك في تحقق ارتباط للوجوب مع صلاة الجمعة وتعلق الوجوب بالصّلاة والقدر المتيقن وان كان اختصاص الصّلاة باهل الحضور لكن نحن نجرى الاستصحاب في وجوب الصّلاة الثابت على وجه الاجمال والمكلّف بصلاة الجمعة غير داخل في موضوع الوجوب اعني الصّلاة بل هو متعلّق به كيف لا ولو قيل هذا واجب أو حرام يتم الكلام ويصحّ السّكوت عليه وليس المستصحب الا الوجوب للموضوع المشار اليه وهو متّحد ولا ضير في اختلاف ما يتعلّق بالموضوع كما انّه لا ضير في اختلاف علّة الحكم كيف لا وقد بنى الخلاف في حجيّة الاستصحاب على جواز اختلاف علّة الحدوث والبقاء ويرشد إلى عدم اختلاف الموضوع في المقام انّه لم يقدح أحد في باب استصحاب الحكم الثّابت في بعض الشّرائع السابقة ولا في استصحاب النبوّة المحكى عن بعض أهل الكتاب باختلاف الموضوع وبالجملة فنحن نجرى الاستصحاب في باب الصّلاة ويلزمه ثبوت الوجوب في حق أمثالنا وليس هذا من باب الأصل المثبت إذ ثبوت الحكم الشّرعى هنا بلا واسطة كما في استصحاب الحكم الثّابت في بعض الشّرائع السّابقة ورابعا انّه لو لم يجر الاستصحاب في صلاة الجمعة في الفرض المتقدّم فلا بدّ من كون انقطاع الوجوب مقطوعا به وهو ظاهر الفساد وخامسا ان الشّك في اطّراد الحكم في حق أهل الانسداد ليس من جهة الشك في ممانعة الجهل عن شمول الاطلاق بل الشّك في تخصيص الخطاب وتعميمه للمعدومين فليس الشّك في جانب العرض بل انما هو في جانب الطّول ولا مجال لتخصيص الحكم بزمان الانفتاح لجريان الاستصحاب فلا مجال « 1 » أصل البراءة في حق أمثالنا لتقدّم الاستصحاب على أصل البراءة في نعم باب الشكّ في المكلّف به يجرى أصل البراءة لكونه في الزّمان الاوّل بخلاف ما نحن فيه لكونه في الزّمان الثاني وهو مورد الاستصحاب بخلاف الشكّ في المكلّف فإنه لما كان الشك في الزّمان الاوّل فلا مجرى للاستصحاب فيه ومع هذا نقول انّه لو لم يكن التكاليف الواقعيّة متحصّلة في الواقع على حسب المفسدة والمصلحة لما كان

--> ( 1 ) لاجراء