عبد الجبار الرفاعي
58
محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية
مما ينبغي والقبح مما لا ينبغي ، فإدراكنا لقبح الكذب وحسن الصدق من مدركات العقل العملي . إذا يصنف العقل تبعا لنوع المدرك . والذي يجيب عن هذا السؤال هو العقل العملي ، فإنّ هذا العقل يحكم أنّ المولى له حقّ الطاعة في كلّ درجة من درجات انكشاف تكاليفه ، من القطع والظن والاحتمال ؛ لانّ الانسان مخلوق للّه وكلّ ما في حياته مفاض منه تعالى ، وحينئذ لا يحقّ له أن يتصرف بأي شيء إلا أن يحرز رضا الخالق تعالى . فلو لاحظنا حكم التدخين مثلا ، فان التبغ مخلوق للّه تعالى ، واليد التي نتناول بها السيجارة مخلوقة للّه ، وهكذا الفم الذي يمتصّ الدخان مخلوق للّه ، والإرادة نفسها مخلوقة للّه . وكلّ الأدوات التي نتصرف بها مخلوقة للّه ، فإذا لم نحرز رضاه وكان لدينا احتمال أن اللّه سبحانه وتعالى لا يرضى ، فحينئذ لا يحكم العقل بأنّ هذا التصرف صحيح ، فلو فرضنا أنّ هناك كتابا لصديقك تحتمل 1 % أنه لا يرضى أن تتصرف به ، فلا يجوز لك أن تتصرف به ، أي لا بد لك من أن تتيقن رضاه قبل أن تتصرف بكتابه . مع أنّ ملكية الانسان للكتاب ملكية اعتبارية وليست حقيقية ، بينما اللّه سبحانه وتعالى يملك الانسان وكلّ شيء في عالم الامكان ملكية حقيقية . ولذلك إذا أراد الانسان أن يتصرف بشيء واحتمل أنّ المولى لا يرضى فمثل هذا التصرف ليس بصحيح . وعلى هذا الأساس يحكم العقل بأنّ أي مستوى من مستويات انكشاف التكليف ولو بدرجة ضئيلة جدّا يكون منجزا للتكليف في ذمة المكلف . فالعقل يحكم بأن المنجزية والحجية ثابتة لكلّ انكشاف . إذا ما هو الفرق بين المنجزية الثابتة للانكشاف التام ( القطع ) ، والمنجزية الثابتة للانكشاف الناقص ( الظن أو الاحتمال ) ؟