عبد الجبار الرفاعي
369
محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية
وهذا يعني حجيته . وبعبارة أخرى : لمّا كان خبر العادل حجّة ، والحجيّة تعني الطريقية والعلميّة ، فيكون خبر العادل خارجا عن عموم التعليل الذي مفاده ( يجب التبيّن بالنسبة لكلّ خبر لا يورث العلم ) . وهذا من قبيل ما لو جاء دليل يقول : ( الربا حرام ) وجاء آخر يقول : ( لا ربا بين الوالد وولده ) ، فإنّ الدليل الثاني يخرج أحد أفراد الموضوع ، وينفي كون المعاملة بين الوالد وولده ربا ، فالموضوع ( الربا ) لا ينطبق على المعاملة الربويّة بين الوالد وولده ، والحرمة ثابتة لعنوان وموضوع الربا ، وإذا انتفى الموضوع ينتفي حكمه . ومعنى ذلك أنّ الدليل الثاني ( لا ربا بين الوالد وولده ) يكون حاكما على الدليل الأوّل ، والدليل الحاكم تارة يضيّق وأخرى يوسّع ، وهنا يكون مضيّقا للموضوع ، أي مخرجا لفرد من الموضوع . وفي هذا المقام الأمر كذلك ، فإنّه إذا انتفى عنوان الظنّ عن خبر العادل ، ينتفي تبعا لذلك وجوب التبيّن ؛ لأن وجوب التبيّن يدور مدار الخبر غير العلمي ، وخبر العادل بحسب المفهوم مفاده العلم ، وبذلك يكون المفهوم حاكما على عموم التعليل ، كما أنّ ( لا ربا بين الوالد وولده ) حاكم على ( الربا حرام ) ، والدليل الحاكم هنا يخرج فردا من أفراد الموضوع ، فينتفي الحكم عن هذا الفرد . الاستدلال على حجيّة خبر الواحد بآية النفر : آية النفر هي قوله تعالى : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ التوبة / 122 . يبدو ان هذه الآية الكريمة تشير إلى وجوب أن ينفر من كلّ فرقة من الفرق التي كانت تسكن خارج المدينة المنوّرة طائفة ، تنفر من القبيلة أو القوم جماعة ،