عبد الجبار الرفاعي
366
محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية
وبكلمة موجزة : أنّ وجوب التبيّن ذكرت له علّة ، وهذه العلّة مشتركة ، والحكم يدور مدار العلّة ، فكلّما وجدت وجد . وعلى هذا الأساس يقال : بأنّ هذه العلّة تكون بمثابة القرينة المتصلة على الغاء المفهوم ؛ لأن هذه العلّة متصلة بالآية نفسها ، فالمفهوم يقول : ( لا يجب التبيّن بالنسبة لخبر العادل ) ، بينما العلّة تقول : ( يجب التبيّن في كلّ الموارد التي لا يحصل فيها العلم بمضمون الخبر ) ، ( لكي لا تصيبوا القوم بجهالة ) ، وبذلك تكون هذه العلّة بمثابة القرينة المتصلة التي تلغي المفهوم ، فإذا الغي المفهوم فلا تدلّ الآية على حجيّة خبر الواحد . جواب المناقشة الثانية : ذكرت عدّة إجابات عن هذه المناقشة ، وهي : 1 - إنّ معنى الجهالة في قوله تعالى : أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ليس الجهل وعدم العلم بل هي بمعنى السفاهة ، فإذا فسّرنا معنى الجهالة بعدم العلم ، يرد الاعتراض المتقدّم ، أمّا إذا فسّرنا الجهالة بالسفاهة ، كما هو معناها في اللغة ، فيكون المعنى ( يجب التبيّن لئلّا تقعوا في سلوك سفهي وغير حكيم وغير عقلائي وغير منضبط ، وبالتالي يؤدّي هذا السلوك إلى حصول الندم ) ، ومن المعلوم أنّ العمل بخبر العادل لا يعتبر عملا سفهيّا وغير حكيم ، وإنّما العمل بخبر الفاسق يعتبر عملا سفهيّا ، فلو أتاك شخص فاسق ومعروف بالكذب ، وأخبرك بواقعة معيّنة ، ثمّ رتبت أثرا على خبره ، كما لو أشعت ما أخبرك به الفاسق المعروف بالكذب ، فإنّ العقلاء يدينون تصرّفك هذا ، ويعتبرونه تصرّفا غير حكيم ، أمّا لو فرضنا أنّ المخبر بنفس هذه القضيّة كان عادلا ، ثمّ أخبرت الآخرين عمّا أخبرك به العادل ، وقلت : ( إنّ فلانا أخبرني بهذا ) ،