الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي

127

شرح الحلقة الثالثة

وحينئذ إذا رفعنا اليد عن الإطلاق الشمولي نكون قد رفعنا اليد عن أصل الحكم المجعول شرعا بالكلّيّة والتمام ، بينما لو رفعنا اليد عن الإطلاق البدلي نكون قد رفعنا اليد عن سعة الحكم وأنّه مقيّد بغير هذا الفرد فقط لا عن أصل الحكم ؛ لأنّ الحكم لا يزال ثابتا على الطبيعة ولكن سعتها وحدودها مقيّدة بغير هذا الفرد . وبمقتضى الفهم العرفي والنكتة العقلائيّة المتقدّمة يتعيّن رفع اليد عن الإطلاق البدلي ؛ لأنّ مخالفة الإطلاق والمصير إلى التقييد أخفّ مئونة من مخالفة رفع اليد من أصل الحكم رأسا ، بحيث يكون التخلّف عن التعهّد ببيان أصل الحكم أقوى وأشدّ من التخلّف والتعهّد عن بيان حدود هذا الحكم سعة وضيقا . وبذلك يثبت تقديم الشمولي على البدلي لأقوائيّة ظهوره وكون مخالفته أشدّ وأقوى من مخالفة الإطلاق البدلي ، وهذا نحو من الجمع العرفي وهو تامّ . الثاني : أنّ الأمر في ( أكرم فقيرا ) يختصّ بالحصّة المقدورة عقلا وشرعا بناء على أنّ التكليف بالجامع بين المقدور وغير المقدور ليس معقولا ، وشمول ( لا تكرم الفاسق ) للفقير الفاسق يجعل إكرامه غير مقدور شرعا ، فيرتفع بذلك موضوع الإطلاق البدلي ويكون الشمولي واردا عليه . ولكن تقدّم في محلّه « 1 » أنّ تعلّق التكليف بالجامع بين المقدور وغيره معقول . الوجه الثاني : ما يستفاد أيضا من مباني الميرزا وحاصله : إذا تعارض إطلاقان أحدهما شمولي والآخر بدلي في مادّة الاجتماع فيتقدم الشمولي على البدلي من باب الورود ؛ لأنّه يكون رافعا لموضوعه . وبيان ذلك : إذا ورد : ( لا تكرم الفاسق ) ، وورد : ( أكرم فقيرا ) ، فهما يجتمعان في الفقير الفاسق ، ويتعارضان فيه بحسب الظاهر ، إلا أنّه لمّا كان كلّ تكليف مشروطا بالقدرة عقلا وشرعا ، ولمّا كان التكليف بالجامع بين المقدور وغير المقدور مستحيلا فسوف يكون خطاب ( أكرم فقيرا ) مشروطا بالقدرة العقليّة ، أي القدرة التكوينيّة في مقابل العجز التكويني ؛ لأنّه إذا كان عاجزا تكوينا عن الإتيان بالمتعلّق فيسقط التكليف عن الفعليّة ، ويكون أيضا مشروطا بالقدرة الشرعيّة بمعنى عدم وجود المانع

--> ( 1 ) في بحث الدليل العقلي من الجزء الأوّل للحلقة الثالثة ، ضمن قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور ، تحت عنوان : الجامع بين المقدور وغيره .