الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي
56
شرح الحلقة الثالثة
وهذه القاعدة من مدركات العقل العملي القاضي بما ينبغي أن يكون عندما يواجه قضيّة ما . وفي مقامنا نقول : إنّ المكلّف إذا خالف ما قامت عليه الحجّة من تكاليف المولى كان خارجا عن زيّ العبوديّة فيكون ظالما لمولاه ، حيث لم يطعه حيث تجب طاعته ، فيكون مستحقّا للذمّ والعقاب ؛ لأنّه فعل قبيحا وظلما ، وأمّا إذا خالف ما لم تقم الحجّة عليه من تكاليف كأن فعل في مورد الحرمة أو ترك في مورد الوجوب مع عدم قيام الدليل والحجّة عليهما ، فلا يكون خارجا عن زيّ العبوديّة ولا يكون ظالما لمولاه ، لأنّه ليس من رسم العبوديّة أن يطيع العبد مولاه فيما لا يعلمه من تكاليف أو يخالفه في تكاليفه الواقعيّة الثابتة في نفس الأمر واللوح المحفوظ مع جهله بها ، ولذلك لا تكون مخالفته هنا ظلما ولم يفعل قبيحا ، بل يقبح حينئذ عقابه وذمّه . فإذا ثبت ذلك ظهر أنّه ما لم يقم البيان والعلم لدى المكلّف على التكاليف فلا يكون تركه ومخالفته الواقعيّة مع عدم وصولها إليه ظلما وقبحا ، بل الظلم والقبح أن يؤاخذ على ذلك ويعاقب . وبهذا ظهر أنّ مرجع قاعدة قبح العقاب بلا بيان إلى كونها فردا ومصداقا للقضيّة العقليّة التي يدركها العقل العملي من حسن العدل وقبح الظلم ، بحيث يدور الأمر حول تحقّق الظلم وعدم تحقّقه . والتحقيق : أنّ ادّعاء كون حكم العقل بقبح الظلم هو الأساس لأحكام العقل العملي بالقبح عموما ، وأنّها كلّها تطبيقات له ، وإن كان هو المشهور والمتداول في كلماته وكلمات غيره من المحقّقين إلا أنّه لا محصّل له ؛ لأنّنا إذا حلّلنا نفس مفهوم الظلم وجدنا أنّه عبارة عن الاعتداء وسلب الغير حقّه ، وهذا يعني افتراض ثبوت حقّ في المرتبة السابقة ، وهذا الحقّ بنفسه من مدركات العقل العملي ، فلو لا أنّ للمنعم حقّ الشكر في المرتبة السابقة لما انطبق عنوان الظلم على ترك شكره ، فكون شيء ظلما وبالتالي قبيحا مترتّب دائما على حقّ مدرك في المرتبة السابقة ، وهو في المقام حقّ الطاعة . فلا بدّ أن يتّجه البحث إلى أنّ حقّ الطاعة للمولى هل يشمل التكاليف