الشيخ ناجي طالب آل فقيه العاملي
47
دروس في علم الأصول ( شرح الحلقة الثالثة )
--> ( وقد ) يستشكل علينا أصحاب المسلك الاوّل من التصويب بلغويّة جعل احكام لمن يجهلها . ( فنقول ) إنّ الأحكام الشرعية بل حتّى القوانين الوضعية انّما تجعل بنحو القضايا الحقيقيّة ، فمن علم بها فقد تحقق لديه شرط من شروط التنجيز ، وامّا المحتمل لوجود احكام شرعية فإنه يجب عليه البحث ، إضافة إلى وجوب القضاء عليه في كثير من الحالات . . . ( وامّا ) وجه دخول العلم بالجعل في موضوع نفس الجعل أو دخول العلم بالحكم الفعلي في موضوع نفسه فلم أر له أثرا في كلام أبناء العامّة ، مع بطلانه في ذاته للدور الواضح فيه . ( وامّا ) وجه دخول العلم بالجعل في موضوع الحكم الفعلي - على ما قد يظهر من كلام الغزالي وقد يكون هذا الوجه أيضا مراد الأشعري - فهو ممكن ثبوتا ، الّا انّه اثباتا لم نر له وجودا في شرعنا الحنيف الّا في موارد نادرة من قبيل تقيّد وجوب صلاة القصر بسماع آية التقصير ، وتقيّد شرطية الجهر أو الاخفات في الصلاة بالعلم بها . ( وعلى ايّ حال ) فهل الأصل ان يكون العلم قيدا وشرطا في فعلية الحكم ، كما في شرطية البلوغ والعقل والزوال ، أو ان يكون شرطا في تنجزه ، كما في أكثر الأحكام الشرعية كوجوب الصلاة وحرمة الخمر ، فحرمة الخمر فعلية ، بمعنى ان ملاك تحريمها تام حتّى بالنسبة إلى الجاهل بالحكم ( الذي هو محلّ كلامنا ) أو الموضوع ؟ المناسب لطبيعة العلم الذي هو مرآة وكاشف وطريق إلى متعلّقه ان يكون شرطا في التنجز ، وان يكون ناظرا إلى الاحكام من الخارج ، فالصلاة مثلا بالنسبة إلى من تمّت شرائط فعليتها عنده من زوال وعقل وبلوغ المتوقّع ان يكون ملاكها تامّا حتى بالنسبة إلى الجاهل بوجوبها ، وكذلك في الخمس والزكاة مثلا ، فالمتوقّع ان يكون الخمس واجبا فعلا حتّى على الجاهل بوجوبه ، وذلك لتماميّة ملاك الوجوب الفعلي ، وان الجهل بهذا الوجوب ينبغي ان يرفع تنجّزه لا أكثر . ويستدلّ علماؤنا عادة على هذا الامر - وانّ العلم شرط في التنجيز فقط - باطلاقات أدلة الاحكام ، فإذا سال رجل الامام عليه السّلام عن رجل شك بين الركعة والركعتين في الصلاة الثنائية وبنى على الواحدة مثلا ، وقال له الامام مثلا « أعاد صلاته » فانّ قوله « أعاد صلاته » مطلق من ناحية العلم السابق بالحكم أو الجهل به ، ولهذا قالوا نستدلّ باطلاقات ادلّة الاحكام على شمول الأحكام الفعلية - فضلا عن الجعل - للعالم