الشيخ فاضل اللنكراني
51
دراسات في الأصول ( دار التفسير )
لا أثر من وجود الطبيعة في الخارج في زمان صدور الأمر وجعل القانون ؛ إذ لا بدّ من جعل القانون أوّلا ، وإبلاغه إلى المكلّفين وعلمهم به ثانيا ، ثمّ ملاحظتهم الآثار المترتّبة على الموافقة والمخالفة ، وبعد هذه المراحل يتحقّق الداعي لإتيانه في الخارج لعدّة من المكلّفين . وبالنتيجة : تكون مرحلة وجود المأمور به متأخّرة عن مرحلة البعث وصدور الأمر بمرحلتين ، فكيف يمكن أخذه في مرتبة متعلّق البعث ، والقول بأنّ البعث متعلّق بوجود المبعوث إليه ؟ ! فلا محالة يتعلّق البعث بالطبيعة ، ثمّ يطّلع العبد به ، ثمّ ينبعث إن كان مطيعا ، والوجدان حاكم بعدم التفاوت بين القوانين العرفيّة ، والشرعيّة في سير مراحل جعل القانون . الدليل الثالث : أنّ الغرض من الأمر في الأوامر العرفيّة إذا قال السيّد لخادمه مثلا : ادخل السوق واشتر اللحم ، لا يكون إلّا تحقّق ما يكون معدوما في الخارج ، وتبديل حالته العدميّة بحالة الوجوديّة من طريق الأمر ، ولا شكّ في أنّه لا يتحقّق لأيّ شيء سوى الطبيعة هاتان الحالتان ، فإنّها قد تكون معدومة وقد تكون موجودة ، ولا يمكن اجتماع الفرد الخارجي مع حالة عدميّة ، فإنّ قوام الفرديّة بثلاثة أشياء : وهي الطبيعة والوجود والخصوصيّات الفردية ، فكيف يتصوّر حالتان للوجود الخارجي ؟ ! فالغرض من توجّه الأمر إلى المكلّف أنّ ما ليس بموجود في الخارج يصير بيده موجودا ، وهذا لا يكون غير الطبيعة شيئا آخر . سلّمنا أنّ الوجود الخارجي المأمور به والمنهي عنه مؤثّر في ترتّب الآثار والمصالح والمفاسد ، ولكنّه لا يدلّ على كون متعلّق الأمر والنهي أيضا وجودهما خارجي ؛ إذ لا طريق لتحقّق الغرض والإيصال إليه إلّا بتعلّق الأمر بالطبيعة ، وتوهّم عدم إمكان التفكيك بين متعلّق الأمر ومحصّل الغرض باطل ، بعد الإثبات بالأدلّة الثلاثة أنّ متعلّق الأحكام هي الطبيعة ، هذا أمر عقلائي ووجداني .