الشيخ فاضل اللنكراني

22

دراسات في الأصول

نظير حكم العقل بقبح الظلم وحكم الشرع بحرمته ؛ لأنّ ما حكم به العقل في باب الظلم غير ما حكم به الشرع ، ولا تتحقّق العينيّة بينهما ، فإنّ ما حكم به العقل - أي القبح - يكون بمنزلة الملاك والعلّة للحكم الشرعي - أي الحرمة - وأمّا في باب القطع بعد إدراك العقل صحّة الاحتجاج به بإدراك الضروري فلا مجال لحكم الشرع بها . وذكر صاحب الكفاية قدّس سرّه « 1 » دليلا آخر لعدم إمكان نفي حجّيّة القطع من الشارع ، وهو أنّه مستلزم لاجتماع الضدّين بحسب اعتقاد القاطع في صورة عدم إصابة القطع للواقع ، وبحسب الواقع والاعتقاد في صورة الإصابة . وهذا مبتن على ما ذكره قدّس سرّه في باب اجتماع الأمر والنهي من تحقّق التضادّ بين الأحكام الخمسة التكليفيّة ، وقد ذكرنا تبعا استاذنا السيّد الأستاذ الإمام قدّس سرّه أنّ دائرة التضادّ محدودة بالأمور الواقعيّة التكوينيّة ، مثل : عروض السواد والبياض على جسم واحد في آن واحد ، والأحكام التكليفيّة من الأمور الاعتباريّة ، ولذا قلنا في مفاد هيئة « افعل » : إنّه عبارة عن البعث الاعتباري ، وفي مفاد هيئة « لا تفعل » أنّه عبارة عن الزجر الاعتباري في مقابل البعث والزجر التكويني ، وهكذا في سائر الأحكام التكليفيّة ، ولا يتحقّق التضادّ في الأمور الاعتباريّة ، والشاهد على ذلك عدم إمكان اجتماع المتضادّين - كالسواد والبياض - في آن واحد ولو من ناحية اثنين . وأمّا في باب الأوامر والنواهي فيمكن أن تكون طبيعة واحدة بالنسبة إلى مكلّف حراما وبالنسبة إلى آخر واجبة ، فكيف يتحقّق التضادّ بين الأحكام ؟ ! إن قلت : إن لم يتحقّق التضاد بين الأحكام يصحّ للمولى أن يقول لعبده :

--> ( 1 ) كفاية الأصول 2 : 8 .