آقا بن عابد الدربندي

296

خزائن الأحكام

الأصل من قبيل الأصول الأولية وان كان يساعده بعض الأمور في بادي النظر من أن احتجاج المعصومين ع بمداركه من الآيات في جملة من من المقامات كاحتجاجهم بمدارك أصل الإباحة وأصل البراءة فالمستفاد من سياق احتجاجهم ع ان مفاد هذا هو حكم اللّه في مرحلة الظاهر بعد الفحص والبحث عن الدليل وعدم الظفر به ولا يشترط في الأصول الأولية ان يكون مداركها مما اشتمل على التعليق بأدوات الاستثناء والغاية ونحو ذلك بل قد لا يكون كذلك كما في بعض الآيات الدالة على أصل الإباحة بل في بعض مدارك غيره أيضا كما لا يخفى على الفطن هذا الا ان مع ذلك أيضا لا يصار اليه لا لأجل ان المصير اليه ينافي الآيات الظاهرة في الامتنان لان الامتنان مما اليه سبيل وان بنى الامر على كون هذا الأصل من قبيل أصل الإباحة وأصل البراءة والاستصحاب كما لا يخفى على من أمعن النظر فيما قدمنا بل لان هذا مخالف لسيرة الأصحاب قديما وحديثا حيث يتمسكون به في قبال الأدلة أيضا وكيف لا وقد عرفت ان بعض الاعلام قد ادّعى الاجماع على أنه لا يعارضه دليل أصلا وان كان من الدعاوى الغير الواقعة في محلها لكن مع ذلك مما يمكن ان يؤيّد به ما قررنا وبالجملة فان هذا القول وان كان أقرب إلى الصواب مما يقابله من القول الأول وأقل منه استلزاما لجملة من الأبحاث والمحاذير الا ان القول به في غاية التفريط كما عرفت مع أنه لم يعهد مصرّح به ثم اعلم أن ما يمكن ان يحتج به للشيخ الحر العاملي هو ان التكاليف من حيث إنها تكاليف مما فيه مشقة وعسر من حيث الالتزام بها بل إن ادخال المندوبات وان كانت مما يرغب اليه الطباع في ذلك ولو بوجه من العناية ممكن هذا ولكن عدم استقامة هذا القول في منار لان المرجع في تحقق مصاديق تلك الالفاظ انما هو العرف وليس كل تكليف من التكاليف مما يصدق عليه العسر عرف فضلا عن صدق الحرج عليه ويرشد إلى ذلك أيضا النظر إلى قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر فان التعليل قد دل على أن الصوم مع المرض وفي السّفر عسر وانه في أيام أخر خالية عن المرض والسفر يسر ولقد أحسن وأجاد من قال إن العسر هو ما يعد عرفا شاقا ويقال إنه يشق تحمله أو يصعب على فاعله ومما لا شك فيه ولا شبهة يعتريه انه إذا كان لمولى عبد هيّأ له معاشر ويرزقه ويحسن اليه إذا امره باشتراء يسير من اللحم والخبز لعيال المولى كل يوم من السوق لا انه صعب عليه أو حمله أدل عسرا أو شاقا بل كذا لو ضمّ معه كنس بيته وسقى دابته وعلفها بل ولو ضم مع الجميع بسط فراشه وطئه واغلاق بابه وفتحه ونحو ذلك بل لا بدّ في تحقق العسر من كون الخدمة مما يشق عرفا ويصعب عليه تحمله وأمثال ذلك في التكاليف الشرعيّة خارجة عن حدّ الاحصاء فان رد السّلام مثلا تكليف مع عدم كونه صعبا بل كذا الوضوء وركيعات من الصلاة سيّما مع عدم مزاحمته لشغل مهمّ وعدم كونه في برد شديد وكذا الصوم سيّما في الأيام الباردة القصيرة هذا وبالجملة فان قول الشيخ الحر العاملي ان نفى الحرج بحمل لا يمكن الجزم به فيما عدا التكليف بما لا يطاق والا لزم رفع جميع التكاليف مما يستلزم مفاسد ومحاذير كثيرة من اخراج الآيات والاخبار عما يؤديه من الامتنان ومن لغوية احتجاج المعصومين ع بالآيات في كثير من المقامات ومن مخالفته لسيرة الأصحاب قديما وحديثا ومن مخالفته لطريقة العقلاء والعرف واللغة بل لا بعد في دعوى انه مخالف للاجماع بكلا طريقيه أيضا فإذا كنت على خبر مما ذكر فاعلم أن القول الخامس المتضمن للتفصيل في المسألة هو قول بعض مشايخنا ره تعالى فلا بدّ من اخذ مجامع في كلامه في مقام آخر حتى يتبيّن الحال ولا يختلط الامر ثم نشير إلى ما يعطيه النظر الدقيق من تصحيحه وتوجيهه أو تزيفه وتسقيمه فنقول المقام الثاني : في بيان نظريّة بعض مشايخنا في قاعدة نفى الحرج المقام الثاني في بيان مذهب هذا القائل فنذكر في ذلك ما هو خلاصة كلامه ولبّ مرامه بعبارات مفيدة وجيزة فنقول في تحرير ذلك وتقريره ان المقدور بلا مشقة لا ريب في جواز التكليف به للاتفاق المضاف إلى سدّ التكليف لولاه وكذا المقدور مع مشقة يتحمل عادة إذ ما لا مشقة فيه في غاية الندرة لا يقال مقتضى القاعدة في هذا عدم الجواز فما خرج انما بالدليل لان ذلك مستلزم لتخصيص الأكثر ثم المقدور مع مشقة موجبة لاختلال النظم لا يجوز التكليف به اجماعا لمنافاته غرض الحكيم ولفحوى ما ينفيه في موارد العسر والحرج وكذا لا يجوز التكليف بما فيه مشقة لا تتحمل عادة مفضية إلى الضرر كالهلاك أو غير مفضية اليه وذلك بعد الاجماع على القاعدة بمعنى انعقاد الاجماع على نفى التكليف فيما فيه مشقة غير متحملة عادة ما لم يقم دليل اجتهادي على الثبوت للآيات والنسبة بينها وبين ما يثبت مثل هذا التكليف وان كان نسبة العامين من وجه إلّا انها تقدم عليه لما تعرف وللأخبار المتواترة معنى بل لفظا أيضا بمعنى العلم بصدور واحد منهما وللاجماعات المنقولة وللعقل القاطع نظرا إلى أن ذلك ينافي غرض الحكيم ووقوع ذلك في جملة من الشرائع في باب جمع من الصّديقين المقرّبين لا ينافي ما ذكر لان الاستحالة العقلية انما فيما ينافي غرض الحكيم وينقضه وليس ما وقع مما ينافي الغرض كما ذلك في امر المرأة المفقود زوجها بالصّبر في عمرها ومن فاقته فرائض بالاقتصار على القدر الضروري من التعيش ولان التكليف في ذلك على خلاف اللطف ولاطباق العقلاء على تسفيه من امر عبده بقطع يده ونحو ذلك هذا ويمكن تزييف الوجوه الثلاثة الأخيرة بان الأول مبنى على انحصار الغرض من التكليف مط في الإطاعة وليس كل لأنه قد يكون للابتلاء الساذج كما في الكفار والعصاة