آقا بن عابد الدربندي

297

خزائن الأحكام

وبان الثاني بعد الغض عما يرد عليه من وجوه مناف لما قرر عند العدلية من تبعيّة الاحكام للصفات إذ قد يقتضى المصلحة الواقعية التكليف بما ذكر وبان الثالث انما في الأوامر العرفية لا أوامر العالم بالعواقب والفرق بين فالتحقيق ان الافعال الغير المحتملة في الأغلب على اقسام منها ما يكون ارتكابه مفضيا إلى الآلام من الهلاكة ونقص الأطراف ومنها ما يكون المشقّة بالغة إلى حد يعد من أعظم المشاق كالاقتصار على القدر الضروري من التّعيش ومنها ما لا يكون المشقة فيه بالغة إلى هذا الحدّ كتربّص المرأة المذكورة العمر الطبيعي اما القسم الأول فالعقل لا يحكم بقبح التكليف به في حق الأنبياء والأوصياء ع ومن حذا حذوهم كيف لا وهو واقع ويحكم بقبحه بالنسبة إلى غيرهم لان هذا التكليف اما حقيقي أو ابتلائى ولا سبيل إلى الأول لفقد شرطه من علم الامر بالامتثال لعلمه بعدم تحملهم ذلك وكذا إلى الثاني لاشتراطه بقابلية المحل وليست فليس لاطباق العقلاء على عدم قابلية المحل للابتلاء والقسم الثاني كالأول لما فيه بعينه واما القسم الثالث فلا يأبى العقل عن التكليف به مط إلّا انه ينفى بالشارع للأدلة الأربعة وما ورد في الآثار من وقوع القسم الأول من ذلك في شان بني إسرائيل لا يجدى الاحتجاج به هنا لعدم بلوغه حدّ التواتر على أنه ان يدّعى قابلية المحل هناك ثم ليعلم ان هذه القاعدة هل تقبل التخصيص أم لا وعلى فرض ذلك هل هو تخصّص أو تخصيص بمعنى ان الاستثناء حكمي أم موردى فالأظهر ان نفى العسر ان كان من باب العقل بطريق الايجاب الكلى فلا يقبل التخصيص وان كان من باب الشرع فيقبل ذلك لكن ان كان المدرك هو الاجماع المحقق كان الاستثناء مورديا والا كان حكميا وان كان نفى العسر في بعض المقامات بالشرع وفي بعضها بالعقل فالعقل لا يقبل التخصيص والشرعي يقبله وفي الاجماع يكون تخصّصيا وفي غيره تخصيصيا ثم إنه لو دل على تكليف في معسور يعارض القاعدة فيلاحظ النسبة بينهما فهي اما عموم وخصوص مط أو عموم من وجه وعلى الثاني اما ان يكون المعارض من الأصول الأولية أو من غيرها ففي الثاني من تلك الاقسام يعمل بالقاعدة لبناء العلماء وتنجيزية القاعدة وكونها أقل موردا ولأنه لولا ذلك لزم طرحها رأسا وفي الثالث أيضا تقدّم القاعدة لان العمل بالتقييد في دليل التكليف والعمل به تخصيص في مدركها ولان العمل به مستلزم للاستثناء المستغرق أو تخصيص الأكثر فينتفى الفائدة أو تقلّ لان مورده ينحصر ح في معارضة الاستصحاب فينتفى الفائدة إذا لم نقل بحجّيته ولان مدارك القاعدة جمل خبريّة بخلاف مدارك التكاليف والتخصيص في الاخبار اقلّ منه في الانشاء ولعل السّر انه في الاخبار مما فيه شائبة الكذب ولان ذلك مقتضى الاستقراء لان الأغلب نفى التكليف في موارد الضّيق والحرج ولان انصراف دليل التكليف إلى ذلك ممنوع لا لكونه من قسم المبين العدم حتى يرتفع التعارض من أصله بل هذا من باب المضرّ الاجمالي فح يزول المرجح الذي في جانب دليل التكليف من أقليته موردا إذ يقع الشك ح في انه ذات مورد أم لا هذا كلّه فيما كان دليل التكليف قطعي الصدور والا فالامر أوضح واما الأول من تلك الاقسام اى ما كان الدليل فيه أخص مط من القاعدة فيعمل فيه بالدليل وان كان ظنيا لبناء الأصحاب عليه ولقوة دلالة الخاصّ وكل ذلك إذا كان مدرك القاعدة هو الدليل الشرعي وإذا كان المدرك وهو العقل فيلاحظ فإن كان حكم العقل تنجيزيا كما في نفى العسر الموجب للاختلال أو الموجب للايلام والمشقة الشديدة بالنسبة إلى عامة الناس قدّمت القاعدة وان كان دليل التكليف قطعي الصّدور واخصّ وان كان حكم العقل تعليقيا كما في نفى العسر والحرج الموجب للايلام في حق واحد لو وجد مثله في الشريعة قدم دليل التكليف إذا كان قطعي الصدور لان حكم العقل بالنفي انما كان لأجل المنافرة الذاتية ومع القطع بالصّدور المستلزم للقطع بالمصلحة يرتفع المنافرة وان كان الدليل ظني الصدور قدمت القاعدة لعدم حصول الوصف بعد ملاحظة المنافرة الذاتية فتسلم القاعدة عن المعارضة انتهى حاصل كلامه وخلاصة مرامه وأنت إذا أمعنت النظر فيما رامه في المقام وشحذت غرار التفكر في مجامع ما ساقه من هذا الكلام ألفيته مما لا يستقيم ولا يستصح وان بالغت غاية المبالغة في ارتكاب العنايات والتزام التكلفات بل كلما أعدت النّظر وجددت الفكر وجدته متدافع الارجاء ومتناقض الأطراف وسقيم المباني وفاسد الانحاء والمجامع فلا باس في ان يشير إلى جملة من ذاك لنهدى إلى أن الامر فيه كله كذاك فاعلم أن ادعائه حكم العقل بقبح التكليف في باب عامة الناس في القسمين الأولين من الأقسام الثلاثة المذكورة في كلامه المصدر بعنوانه التحقيق والتفرقة في ذلك بينهم وبين العباد الخلص من الأنبياء والأوصياء ع ومن حذا حذوهم من الدعاوى الجزافية والمقامات التخمينية وكيف لا فانّ دعوى استقلال العقل في ذلك مما لا يجامع مع ما نشاهد في الشرع من وقوع الامر بالجهاد على أنواعه واقسامه ودعوى اختصاصه بصورة عدم العلم والظن بالهلاك ونقض الأطراف والتألم بما يصيب حين التهاب نيران الحرب من الجراحات من الدّعاوى الباطلة فكفى بذلك في ردّ هذه الدعوى وان قطع النظر عن التمثيل بالحدود والقصاص والتعزيرات فبعد ملاحظة ذلك وملاحظة تبعية الاحكام للعلل الواقعية يظهر ان ما ادّعاه على فرض تسليمه في الجملة من الاحكام الوهمية الشبيهة بالألف والعادة والاستيناس بالاحكام العقلية ثم انظر إلى تعليله حكم العقل بما ذكر في القسم الثاني بما ذكره من حصره التكليف في الحقيقي والابتلائى وعدم تعلقهما في المقام فان