آقا بن عابد الدربندي
267
خزائن الأحكام
لا يخفى والقسم الثالث ما يمكن الخلوّ عنهما عقلا لا شرعا وذلك كما في صلاة الفريضة عند اشتباه القبلة فالحكم فيه على التحقيق هو التخيير وقيل بلزوم الاحتياط وقد عرفت الوجه في الكل فلا حاجة إلى الإطالة ثم لا يخفى عليك ان دوران الامر بين المحذورين قد يكون بالنظر إلى الشخصين بمعنى انّ كل واحد منهما وان كان شيئا واحدا غير دائرين المحذورين الا ان الامر يكون دائر بينهما بالنظر إلى حال هذين الشخصين بالنسبة إلى بعض الأمور وذلك كما في رجل نذر وطى امرأة لو تزوج بها في كل يوم الجمعة مثلا ونذرت المرأة صوم كل يوم الجمعة ان زوجت به فدوران الامر بين المحذورين من جهة وجوب الوطي على الرجل وحرمة التمكين على المرأة ولا فرق في ذلك بين ان يقترن نذرهما في الزمان أو يفترقا فيه هذا فالاحتمالات في المقام كثيرة القرعة نظرا إلى أنها لكل امر مشكل في الموضوعات وانحلال نذريهما والرجوع إلى الأصل نظرا إلى عدم امكان الجمع ولزوم التحكم لو تقدم أحدهما دون الآخر على أن أدلة لزوم الوفاء بالنذر لا تنصرف إلى مثله والتخيير ولا يخفى وجهه وان كان دقيقا وعمل كل « 1 » منهما أمكن بمعنى ان اللازم على الرجل الغلبة على المرأة ووطئها كما أن اللازم عليها الغلبة على منعه وعدم التمكين له فمن غلب يعمل بنذره ولا اثم على « 2 » منهما هذا والأوسط أوسط والأخيران أردأ والأول غير بعيد غاية البعد مثلهما تذنيب اعلم أنه على ما اخترنا من القول بالتخيير في الحكمية والموضوعيّة في دوران الامر بين المحذورين هل يجب على المجتهد الافتاء بالتخيير لقلده مط أو بما اختاره من أحدهما مط أو بالتخيير في الموضوعية وبما اختاره في الحكمية ففيه اشكال فقاعدة التحكم تقتضى التخيير بين قسمي الافتاء مط هذا ولكن الحق هو الافتاء بالتخيير مط وعليه السّيرة قديمة وحديثة فليس المراد بالتخيير هنا ان المجتهد مخير في الفتوى بأيهما شاء حتى يجوز له اختيار أحدهما والفتوى بمقتضاه فقط بل المراد ان كل أحد مخير في العمل بايّهما شاء إذ التخيير هو حكم من تعارضت الادلّة بالنسبة اليه ومن يقلده فيتعيّن الافتاء بالتخيير جدّا إذ الاحكام المستنبطة من الروايات احكام لجميع المكلفين تنبيه اعلم أنه إذا تعدّد المشروط بالاستقبال إلى القبلة في صورة اشتباهها كالصّلاة والدفن والتذكية وتوجيه المحتضر فهل يتعيّن ما اختاره أولا أم يجوز الاختلاف والتعدد مط أو بالنسبة إلى الأصناف ففيه اشكال من قاعدة الاشتغال وان الاخذ بالأول هو القدر اليقيني ولو اختار غير ذلك يلزم المخالفة القطعيّة في بعض الصور وان هذا هو مقتضى « 3 » ما اختاره المكلف أولا ومن أن التخيير الثابت قبل اختياره مشكوك الارتفاع فالأصل بقاءه على انّ هذا هو المستفاد من اطلاق عبائر الأصحاب هذا ولكن التحقيق يقتضى الثاني كما عرفت فلا حاجة إلى الإطالة بالإعادة ثم على القول الأول فهل يبقى التخيير إذا تلبس بالاخذ بأحد الأطراف بالقصد والجزم عليه إلّا انه لم يعينه بإقامة الصّلاة ونحوها أم لا فالحق هو الأول للأصل السّليم عن المعارض فمن أراد الاطلاع على الفروع الكثيرة مما يتعلق بهذا التنبيه فعليه المراجعة إلى ما يتعلق بمباحث الجنائز من كتاب خزائن الاحكام تذييل اعلم أن مسائل أصل البراءة مما يتعلق بالوجوب والحرمة مما يكون في مقابل الإباحة والبراءة المطلقة من حكمياتهما وموضوعياتهما وما يدور الامر بين الوجوب والحرمة قد أشبعنا الكلام فيها وامعنّا النظر في أدلتها فتم نصاب المرام وسهم الكلام في ذلك غاية التمام ولم يبق للّاحق فيه سهما الرقيب والمعلى من السهام وان بعض الاقسام من التحريمية من حكمياتها ومصداقياتها وان لم يعنون في عناوين مستقلة الا انا قد أشرنا في صدر بعض المباحث ان حال ذلك مما يعلم بالمقايسة إلى الوجوبيّة من الاخذ بالبراءة أو الاحتياط قولا ودليلا تسديدا وتزييفا نقضا وابراما فلا حاجة إلى الاسهاب بالإعادة نعم قد بقي في البين ما يتعلق بالشبهة التحريميّة من قضية اصالة الحرمة في اللحوم المشتهرة الدائرة بين الفقهاء فلا من الإشارة إلى ذلك وبيان الحال فيه فاعلم أن جمعا قد حكموا في الحيوان المتولد من الطاهر والنجس مما لا يشابههما ولا واحدا مما علم حاله بطهارته وحرمة لحمه احتجاجا بان مقتضى الأصل بالنسبة إلى الأول هو الأول والثاني هو الثاني وغاية ما يصلح ان يكون مدركا للأصل الثاني هي آية حرّمت عليكم الميتة بتقريب ان الميتة بحسب اللغة يشمل المذكى وغيره فخرج ما خرج وبقي المشكوك تحتها ثم الشهرة ثم الغلبة والاستقراء ثم الاستصحاب من استصحاب عدم التذكية على وجه والحرمة على وجه ثم اخبار الاحتياط هذا ولا يخفى عليك مدخولية ذلك إذ ليس الميتة الا ما يقابل المذكى حتى على اللغة فلا يتم المط وان لم نقل بثبوت الحقيقة الشرعية وبعد الغض عن ذلك كله ان المطلق لا ينصرف إلى مثله والاعتبار على الشهرة لإفادتها الظنّ وهو مع العلم بفساد مدرك المشهور غير حاصل « 4 » والاستقراء لا يقاومان لمعارضة أدلة البراءة والإباحة والعجب من جمع من المقتصرين على الظنون الخاصّة حيث يعوّلون على هذا الأصل لأمثال هذه المدارك مع أن بعضا منهم لا يرضى بجابريّة الشهرة وقضية الاستصحاب « 5 » قطع إذ الحرمة العرضية قد انتفت بالتذكية والذاتية كانت أولا أيضا مشكوكا فيها وبالجملة الشبهة حكمية لا موضوعيّة وضعف الاحتجاج باخبار الاحتياط ظاهر وكيف كان فان الحكم بالحلية والإباحة احتجاجا بالآيات وجملة من الأخبار المتقدمة في بعض المقامات السّابقة خصوصا بجملة مما تقدم في بحث الشبهة المحصورة مما في محله والمناقشات الواردة في الاستدلال بها على ذلك مما لا يصغى اليه جدّا وكيف لا فان اظهر المناقشات على الاستدلال بالآية من أن الغرض المسوق منها هو بيان ان في الأشياء منفعة لا بيان حكم الأشياء فيكفي
--> ( 1 ) منها بما نذر ( 2 ) المغلوب ( 3 ) استصحاب ما تعلق بالذمة من مقتضى ( 4 ) والغلبة ( 5 ) في غاية الضعف لان المقام مما لا يتصور فيه الاستصحاب