آقا بن عابد الدربندي

48

خزائن الأحكام

مما يختلف باختلاف المذاهب في الدليل من الاقتصار على العلم والتعدي منه إلى الصّحاح الاعلائية والتعدي من ذلك إلى الصّحاح المشهورية والتعدي من ذلك إلى الموثقات ونحوها والتعدي من ذلك إلى مط الظن الا ما خرج بالدليل فالمقتصر على العلم ليس الدليل الاجتهادى عنده في قبال الاستصحاب الا القطعيّات من الكتاب والسّنة المتواترة والاجماع المحقق وقس على ذلك الحال في غيره فيكون الدليل الاجتهادى عند المعمّم في الظن كل ما يفيد الظن الا ما خرج بالدّليل فيعد المتعارض الواقع بين الشهرة والاستقراء وبين الاستصحاب من التعارض الاجتهادى للفقاهتى ومن التعارض البدوي فإذا كنت على خبر من ذلك في تقديم الادلّة الاجتهادية على الاستصحاب فاعلم أن تقديم الأدلة الاجتهاديّة على الاستصحاب واشتراط اعتباره بفقدها وعد التعارض بينه وبينها من المعارضة البدوية الغير المحتاجة إلى ملاحظة المرجحات هو المعروف المعهود بين معتبرى الاستصحاب من غير فرق في ذلك بين الأقوال من القول باعتباره من باب الوصف ومن القول باعتباره من باب السّببية الشرعيّة المطلقة ومن القول باعتباره من باب السّببية والتعبّدية العقلية وقد أشرنا إلى ذلك في بعض المباحث وأشرنا أيضا إلى هذا مما ينبعث إلى عند « 1 » وقوع أصحاب القول بالوصف في داهية كبرى وامّ حبوكرى ويشتد شناعة مذهبهم وبشاعة قولهم إذا بنى الامر على كون الظن الاستصحابي من الظنون الخاصة كما قد نسبه البعض إلى كلهم أو بعضهم إذ مقتضى ذلك تقديم الاستصحاب في جملة كثيرة من المقامات على الأدلة الاجتهادية والتوقف في جملة أخرى والتقريب ظ والطرق إلى ابطال هذا المذهب في غاية الكثرة وقد تقدّمت جملة معتدّ بها منها في مبحث بيان مذهبهم واما ما يتراءى من جمع بين الأصحاب حيث يميلون إلى الحكم بما على طبق الاستصحاب أو يترددون ويتوقفون مع تحقق الدليل الاجتهادى في البين فهو ليس لعدم جزمهم بتقديم الدليل الاجتهادى على الاستصحاب بل للشك في اتصاف ذلك الدليل عندهم بالدليلية والحجيّة شكا منبعثا عن الشك في احرازه الشرائط وذلك النحو من التردّد والتوقف ليس مما يختصّ بأصحاب القول بحجيّة الاستصحاب بل قد يجامع مع القول بعدم حجيّة أيضا إذا القائلون بعدم الحجيّة افترقوا على فرقتين فرقة على صلوحه للمرجحية وفرقة توقفوا في ذلك كما نقله العلّامة حيث قال في صدر عنوان مسئلة الاستصحاب فذهب أكثر الحنفية وجماعة من المتكلمين إلى أنه ليس حجة ومن هؤلاء من جوز التّرجيح لا غير وكيف كان فان الحجيّة في ذلك بعد اخبار الباب المبيّن التقريب منها في مواضع من هذا الكتاب ودعوى الاجماع من جم والاجماع المحقق المحصّل على نمط به الحدس وما يحصل ويستنبط من جملة من الوجوه المذكورة للمذاهب من التعبّدية العقلية والوضعيّة وغيرهما انه لولا كذلك لم يقم للفقه عمود ولم يشتعل له وقود وبيان ذلك أنه لو يعمل بالدليل الاجتهادى فاما ان يتوقّف أو يعمل الاستصحاب وكلاهما مما في غاية درجة البط إذ لازم ذلك سقوط العمل بالأدلة الاجتهادية في جميع المسائل ورفع اليد عنها برأسها وذلك لتحقق وقوع التعارض بين الامرين في جميع المسائل الا القليل فإنه قل ما يخلو دليل عن معارضة الاستصحاب له فيبعث عن ذلك العمل بالاستصحاب في الجميع إذ هو في صورة التوقف أيضا يكون هو المرجع فإذا وقع التوقف للتعارض والتساقط فيعمل ح بالأدلة الفقاهتية التي منها اصالة البراءة واستصحابها والبناء على التخيير بين العمل بالاستصحاب وبين العمل بما يقابله من الدليل الاجتهادى ممّا يرجع إلى اصالة البراءة الراجعة إلى الاستصحاب من وجه فت واما الاحتجاج على ذلك بان الدليل الاجتهادى يفيد الظن بالواقع بخلاف الاستصحاب والمفيد للظن أقرب إلى الواقع مما لا يفيده كالاحتجاج بان تقديم الدليل الاجتهادى على الاستصحاب هو مقتضى فحوى ما دلّ على لزوم ترجيح أقوى الظنين عند تعارضهما فممّا يقبل المناقشة الواضحة جدا إذ ليس ملاك الامر في الدليل الاجتهادى على افادته الظن الشخصي الفعلي بل على كون النظر واللحاظ إلى الواقع وان وجد ظن غير معتبر بخلافه كما أن المراد من الدليل الفقاهتى ما لوحظ فيه التكليف ومرحلة الظاهر وان أفاد الظنّ بالواقع من باب التعجب والاتفاق كيف لا والا لاستحال القول بوقوع التعارض بين الدّليلين الاجتهاديّين والتقريب ظ لا يقال انّ هذا النحو من الاحتجاج يتمشى على القول بالتعميم في مسئلة الظن إذ الامر يدور ح مدار الظن الشخصي الفعلي بمقتضى مقدمات الدّليل المسمّى بالدّليل الرابع لأنه يقال انّ هذا مما لا تمشية له حتى على البناء على هذا القول في مسئلة الظن إذ مفاد ذلك عدم الاعتداد بكل ما لم يفد الظن الفعلي وان كان من الصّحاح المش « 2 » بل الاعلائية لعدم اتصافها بعنوان الدّليلية فيكون المقام من مقامات التعويل على الاستصحاب وهذا كما ترى والالتزام بذلك وان كان مما لا ضير فيه بناء على هذا القول في مسئلة الظن من حيث ملاحظة تلك المسألة الا انّ هذا النحو من الاحتجاج في هذه المسألة التي نحن فيها مما لا وجه له أصلا مع أنه مدخول من وجه آخر فإنه لا يجرى على القول بالوصف في مسئلة الاستصحاب بل قد يستبح عكس المط وهذا فيما أفاد الاستصحاب الوصف دون الدليل الاجتهادى « 3 » وان لم يفد الظن مدفوع بان وظيفة الظن وشانه انما هو النظر إلى الواقع فهذان كاللازم والملزوم وبانّ هذا خروج عن مقتضى ما يعطيه أدلة القول المذكور في مسئلة الظن فقد بانّ مما ذكران هذا النحو من الاحتجاج مما لا يستصحّ وان قيل إن التعويل على الدليل الاجتهادى من باب الظن النوعي لا الشخصي وهذا هو مقتضى مقدّمات الدليل المسمّى بالدّليل الرابع وذلك أنه وان لم يستبعد القول بالسّببية المطلقة الشرعيّة ولا القول بالتعدية المطلقة العقلية في مسئلة الاستصحاب إلّا انه لا يناسب القول باعتبار الاستصحاب من باب الوصف إذ يقدم ح أيضا كل ما يفيد الظن الفعلي على غيره والوجه

--> ( 1 ) ان ( 2 ) المشهورية ( 3 ) والذب عنه بان الظن الاستصحابي ليس مما ينظر إلى الواقع فلا يقدم على الاجتهادى