آقا بن عابد الدربندي

49

خزائن الأحكام

ظاهر فيلزم ان يقدم الاستصحاب على مقابله من الدّليل الاجتهادى في كثير من الأحيان كما يقدّم هو عليه في بعضها فينبعث عن ذلك التوقّف والرّجوع إلى المرجحات أو الأصول في جملة كثيرة من المقامات فلازم ذلك كلّه رفع اليد عن الأدلة الاجتهاديّة في الأغلب مع انّه لم يتم تقريب الاحتجاج المزبور بل استلزم مع ملاحظة بعض الأمور ما يناقض المطلب فخذ بمجامع ما ذكر وانتظر لبقية الكلام فيما يتعلق بهذا المرام في أن شرط العمل بالاستصحاب انتفاء الدليل الدال على خلافه وبيان الدليل الشرعي تذنيب قال بعض الأفاضل بعد نقل اشتراط العمل بالاستصحاب على انتفاء الدليل الدال على خلافه من بعض الأصحاب انه ان أراد من الدليل الشرعي ما يثبت رجحانه على معارضه فلا اختصاص لهذا الشّرط بالاستصحاب وان أراد منه ما يقابل الأصل ففيه ان الاجماع على ذلك ان سلم في أصل البراءة وأصل العدم فهو في الاستصحاب مم ألا ترى ان جمهور المتاخّرين قالوا إن مال المفقود في حكم ماله حتى يعلم موته استصحابا للحال السّابق مع أنه ورد في الأخبار المعتبرة الفحص بأربع سنين عنه ثم التقسيم بين الورثة وعمل عليها جماعة من المحقّقين فكيف يدّعى الاجماع على ذلك وان أراد ان الاستصحاب من حيث إنه استصحاب لا يعارض الدليل القطعي من حيث هو هو اجماعا فله وجه وذلك لا ينافي تقديمه على الدليل من حيث الاعتضاد الخارجي هذا وقد أورد عليه البعض قائلا ففيه أولا انا نختار الثاني ومنع الاجماع فاسد كما هو ظ على المتتبع وما ذكره من حال المفقود فعمل جمهور المتاخّرين بالاستصحاب ليس به نفسه بل بموافقة اخبار أخر أيضا فعملهم عليها مضافا في ردّهم دلالة الاخبار المخالفة مع انّ منع الاجماع غير ضائر إذ لا ينحصر دليل اشتراطه في الاجماع وان تقديم الدليل على الاستصحاب ليس باعتبار التعارض وترجيح الدليل بل لأجل ان مع الدّليل لا يكون نقض يقين بشك فلا يجرى الاستصحاب وعلى هذا فلا حاجة إلى ملاحظة حال من كونه عاما أو خاصا بالنّسبة إلى أدلة الاستصحاب أو أقوى منها وأضعف والعمل بمقتضاه نعم لو كان العمل بالاستصحاب لظن البقاء فيكون المبنىّ ح على التعارض والتّرجيح وقد يشتبه الامر هنا ويظن أنه كذلك مع كون الاعتماد في الاستصحاب على الاخبار هذا وأنت خبير بان كلامه مما قد اشتمل على تدافع وتناقض فانّه جزم أولا بتحقيق الاجماع المراد منه الاتفاق كما هو الظاهر من كلامه على تقديم الدليل على الاستصحاب فمع ذلك كيف يصح الاستدراك منه بقوله نعم الخ والتقريب في ذلك ظ فان بناء جمّ من الأصحاب مضافا إلى بناء العامة على العمل به لأجل الظن ثم إن بعد الغضّ عن هذا التدافع والتناقض واقتصار النظر على ملاحظة ما استدركه كيف يتجه اعتراضه وذلك انّ ذلك الفاضل المانع الاشتراط المزبور ممّن صار إلى الاستصحاب للظن وان كان قد ذكر الاخبار في ذلك وبين تقريب الاستدلال بها أيضا على أن ما في كلام هذا المعترض مدخولية من وجه آخر وذلك غير خفىّ على من تامّل في قوله بعد تسليم منع الاجماع من أنه لا يكون ح نقض يقين بالشك فلا يجرى الاستصحاب ولاحظ مع ذلك ما استدركه ثم العجب عن غفلته عن حقيقة الحال حيث زعم أن البناء على الظن مما يصحّح البناء على التعارض والترجيح فانّ فساد هذا يعلم مما تقدّم وممّا يأتي في تقديم أخبار الآحاد على الاستصحاب فان قلت إنه يمكن ان يزيف سند المنع الذي ذكره ذلك الفاضل بنحو آخر وذلك بان يقال إن الاجماع ليس بمنعقد على تقديم اخبار الآحاد على الاستصحاب بعنوان الاطلاق بل هو منعقد على تقديم الدّليل الاجتهادى الذي ينظر فيه إلى الواقعة الاوّلية وليس جميع الأخبار من هذا القبيل إذ فيها ما يدل على بيان حكم الموضوع المشكوك فيه فيكون دليلا فقاهتيّا سواء كان في أفق الاستصحاب وعرضه كما في مسئلة الشك في عدد الركعات مما حكم الشارع فيه بالبناء على الأكثر أو لا ففي الأول يقع المعارضة دون الثاني إذ فيه قد يقدّم الاستصحاب كما إذا لوحظ بالنّسبة إلى الأخبار الدالة على طهارة الأشياء مثلا وقد لا يقدّم وبالجملة فان الأخبار الدالة على الحكم المذكور في مسئلة المفقود ليست من الادلّة الاجتهادية لفقد دلالتها على رفع موضوع الشك كما في صورة قيام البينة ونحوها من الامارات الكاشفة عن الواقع والنّاظرة إليها على الموت بل انما دلت على ترتب الحكم المذكور « 1 » المشكوك فيه وهو المفقود وهذا الحكم يعارض الحكم المستفاد من الاخبار الاستصحاب تعارض الخاص والعام المطلقين والعدول عن مقتضى القاعدة في ذلك انما لعدم الاعتداد باخبار هذا الحكم لقصورها سندا ودلالة قلت انّا وان أغمضنا عن المناقشة فيه بان الاجماع لم ينعقد على تقديم الدليل على الاستصحاب من حيث انّه معنون بعنوان انه دليل اجتهادي إذ هذه اللفظة من الالفاظ المستحدثة فيما يقرب من عصرنا بل هو منعقد على تقديم الدليل الشرعي الذي هو عين الأصول نظرا إلى أن هذه اللّفظة وان كانت بمواضعه واصطلاح في هذه الأزمنة لكنها صحيحة بحسب اللب ومتحققة المعنى من حيث الحقيقة عند الكل كما يشهد بذلك التتبع التام والاصطلاحات الجديدة بحسب مس الحاجة وتقريب المطالب وتلقين المرادات مما لا باس « 2 » به في الانتسابات المعنونة بهذه الاصطلاحات إذا تحقق اللب والحقيقة الا انا نقول إنه مع ذلك مما لا وقع لهذا الكلام المتضمّن لذلك المرام عند الانظار الدّقيقة وذلك أنه لم يشترط في الاجتهادى الا كونه ناظرا إلى الواقع واما غيره من رفعه الموضوع المشكوك فيه وكونه من الامارات الكاشفة عن حال الموضوع الصرف إذا كان ما يقابله من الاستصحاب في الموضوعات الصّرفة فمنفى بالأصل مضافا إلى الاتفاق اللّبى المحصّل بتتبع الموارد والمقامات فإذا كان الغرض الشرعي من استصحاب الموضوعات الصّرفة هو ترتب الاحكام وكأنه بحسب اللّب هو المستصحب المقابل للدّليل الاجتهادى وكأنه هو الناظر إلى مرحلة الظاهر المنبعثة عن عدم الموت في المسألة المذكورة ولو استصحابا فيكون باقي قباله من الدليل الوارد عليه ورود

--> ( 1 ) على الموضوع ( 2 ) كما لا باس