آقا بن عابد الدربندي

12

خزائن الأحكام

لوجودها ومعنى بقائها مع توارد الصّور انها لضعف وجودها يكفيها لحوق صورة ما آية ما كانت لأنها في حدّ ذاتها امر واحد بالفعل باق بالعدد كسائر الأمور الصوريّة فالحق ان جهة الوحدة في كل مركب خارجي هي الصّورة وهي تمام المادة وتمام الشيء متضمّن له وما فوقه فالشيء شيء بصورته لا بمادته « 1 » فلو أمكن وجود الصورة مجردة لكان ذلك الشيء حاصلا بتمام ما اعتبر في حقيقة على وجه أعلى واشرف وهذا هو معنى التركيب الاتحادي في المركبات التي لها وحدة طبيعيّة كما ذهب اليه بعض المدققين هذا ولا يخفى عليك ان ما ذكره يسدّد ما قررنا في كلا المقامين من امر الجنس والفصل وامر الصورة أو المادة وقال هذا المحقق في موضع آخر من كلامه ان معنى واحدا من شأنه ان يصير محمولا على معاني مختلفة في انحاء الوجودات كل منها في الوجود يكون هذا الشيء لا ان ينضم وجوداتها بوجود هذا الشيء بل بان الذّهن قد يعقل معنى كالحيوان مثلا بلا شرط آخر يجوّز الذهن ان يكون الحيوان بنفسه انسانا وفرسا وحمارا في الوجود أو ناطقا وصاهلا وناهقا في الأعيان فإذا انضم إلى معنى الحيوان معنى الناطق مثلا انما يضمّ اليه ما به معنى آخر في المفهوم لكنه يكون منضما مندمجا في وجوده هذا النحو من الوجود معيّن له فان وجود الناطق الذي هو الصورة الانسانية هو بعينه وجود الحيوان بما هو حيوان مطلقا وانما يكون وجوده غير وجود الحيوان من حيث التعين والابهام والفعل والقوة والكمال والنقص لا انّ هذا غير ذاك بان يكون للحيوانية وجود وللناطقية وجود آخر وقد اجتمعا وصارا وجود الانسان بالانضمام والتركيب وكذا الحال في الفصل هذا ولا يختلجن ببالك ولا يخطرن بخلدك ان ما في هذا الكلام ينافي لما ذكر لان بعد امعان النظر يظهر ان هذا الكلام ليس بمناف له بل مقرر له ومسدد إياه فافهم وتامّل في نقل كلام بعض الأعلام في تجسم الأعمال ثم اعلم أن لبعض المدققين من صناعة الحكمة كلاما رشيقا دقيقا فهو مما وقع في بيان امر الحقائق من بعض الجهات المتعلّقة بها فيكون لنقله في المقام وجه وجيه وهذا المدقق هو شعلة الذكاء ومصداق كل الصّيد في جنب الفراء فقال في رسالته الزوراء بعد ذكره في مفتتحها انها من فيوض زيارة عتبة باب مدينة العلم وابنه سيّد الشّهداء عليهما أفضل الصلوات ان الحقيقة الواحدة تظهر في البصر بالصورة المعينة المكشفة بالعوارض المادية وملازمة وضع معين ومجازات معينة وقرب وعدم حجاب وغير ذلك من مشخّصاتها وهي بعينها تظهر في الحسّ المشترك بصورة تشابهها من غير تلك الشرائط وهي في الحالتين تقبل التكثر بحسب الاشخاص كصورة زيد وبكر وعمرو فانّ حقيقتها كلها واحدة اعني الحيوان الناطق ثم تظهر تلك الحقيقة في العقل بحيث لا تقبل التكثر وتصير الافراد المتكثرة في الصورة المبصرة والمتخيلة متحدة في الصورة العقلية وتلك الصور العقلية وقد يتمايز أنواعا وأجناسا وأجناس أجناس وقد يعتبرها العقل صورة واحدة كما نصورها بصورة الشيء أو الممكن العام مثلا وبالجملة فالحقيقة واحدة في جميع المواطن والصّور ملابس لها قد اختلفت تلك الصور باختلاف المشاعر والمدارك وقد تتبدل الملابس وتتعاكس باختلاف الموارد كالفرح الظاهر في الرؤيا بصورة البكاء فالحقيقة مغايرة لجميع الصور في المشاعر الظاهرة والباطنة فالعلم مثلا حقيقة واحدة تظهر في مواطن اليقظة بصورة عرضية محتجبة عن الحسّ مدركة بالعقل كلية وبالوهم جزئية وهي بعينها تظهر في موطن الرؤيا بصورة جوهرية اعني صورة اللّبن فالحقيقة واحدة وان اختلف الصور ثم إن المحجوب المنغمس في احكام الطبيعة الذي لا يعرف الحقائق الا بصورها ينكر الحقيقة عند تبدّل الصورة ولا يعرفها لتحوّلها في ملابسها لكن العارف الدارك « 2 » في ساير المواطن ثم قال كأنك فيما قرعك سمعك من هذه المقدمات اطلعت على حقيقة الانطباق بين العوالم فإنها بأسرها صور لحقيقة واحدة متخالفة من جهة تخالف احكام المواطن التي تشترطها النفس في مدارج صعودها وهبوطها وانكشف عليك أيضا اسرار غامضة من أحوال المبدا والمعاد وظهوره في الكثرات من ظهور والاعمال والاخلاق الظاهرة بالصور الخاصّة وفي النشأة الاخرويّة بالصور التي تقتضيها أحوال تلك النشأة كما فصّل في الشريعة وعرفت ما أنبأ عنه لسان النبوات من ظهور الاخلاق والاعمال في المواطن المعاديّة بصور الأجساد وكيفية وزن الاعمال وسرّ حشر الطاعات بصور الاخلاق العالية واطلعت على سرّ قوله تعالى وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ * فان الآية بظاهرها تدل على إحاطة جهنّم بالكافرين في الزمان الحال و « 3 » الاخلاق الرّذيلة والعقائد الباطلة التي هي محيطة بهم في هذه النشأة هي بعينها جهنم التي ستظهر في الصورة الموعودة عليهم كما انذرهم الشارع الا انّهم لا يعرفون ذلك لعدم ظهورها في هذه النشأة عليهم في تلك الصورة وهم لفرط جهلهم بالحقايق لا يعرفون الحقائق الا بصورها وتعرف أيضا من ذلك التحقيق في معنى قوله تعالى الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وقول الخاتم الفاتح عليه وعلى آله أفضل الصّلوات الذي يشرب في آنية الذّهب والفضّة انما يجرّ « 4 » في بطنه نار جهنّم فان ظاهره يدل على وقوع هذه الحال في الحال وقوله عليه السّلم ان الجنان وهي قيعان وانّ غراسها سبحان اللّه والحمد للّه إلى غير ذلك من غوامض الحكم والاسرار الإلهية وعلمت أن جميع ذلك على الحقيقة لا على المجاز كما توهّمه المتوهمون وكذلك قوله ع الدّنيا مزرعة الآخرة فان معناه ان الاخلاق المكتسبة في الدنيا مادة الجنة والنار وهي تظهر في تلك المواطن بصورتيهما وصورة ما يظهر فيهما من اللذائذ والمكابرة ولعلّك تقول كيف يكون العرض بعينه هو الجوهر وكيف يكون المعنى واحدا أو الحال ان الحقائق متخالفة بذواتها فنقول قد لوّحنا إليك ان الحقيقة غير الصّورة فإنها في حدّ ذاتها وصرافة سذاجتها عارية عن جميع الصور التي تتجلى بها لكنها تظهر في صورة تارة وفي غيرها أخرى فالصور مختلفة والحقيقة واحدة وما أشبه ذلك بما يقول أهل الحكمة النظرية من أن الجواهر باعتبار وجودها في الذهن اعراض قائمة به محتاجة اليه ثم هي في الخارج قائمة بأنفسها مستغنية عن غيرها فإذا اعتقدت انّ حقيقة تظهر في موطن بصورة

--> ( 1 ) فلو ( 2 ) يعرفها ( 3 ) انّ ( 4 ) يجر