آقا بن عابد الدربندي
111
خزائن الأحكام
انّ مثل المقام مما لا يتمشّى فيه الاحتياط إذ الاحتياط فيه معارض بالمثل بعد النظر إلى تمشية الأصل في تلك الموارد ولو كانت باحتمال مرجوح وإلى تمشية كونه من باب العزيمة فلا وجه للاحتياط سواء قلنا انّ الشبهة مصداقية أو شبهة حكمية فخذ الكلام بمجامعه وتامّل فصل فيما حاولنا فيه اكمال التمرين واتقانه وتشحيذ عزاز الأذهان به وإراءة الطرق إلى تقنين القوانين وتأسيس الأصول قننت واسّست قبل ذلك في زبر القوم أم لا والإشارة إلى جملة من المشتركات والمفترقات بين جملة من الأصول والقواعد والايماء إلى كيفية إدارة كئوس الفقه والأصول باخذ مجامع القواعد والأصول في جملة من الأبواب والاستطراق من ذلك إلى كل شوامخ وهضاب في كل باب واخذ نتائج وثمرات مما لا يوجد في زبر ولا كتاب فاشترط في ذلك على نفسي ان لا أسوق الكلام على الطرز المتقدّم في الخزائن السّابقة من اخذ مجامع الادلّة والتفريعات والتحقيقات والتشقيقات وكيفية المعارضات بل على نمط الإشارة والاجمال واتمام ما في هذا الفصل في وريقات فان المتأمل في هذا الكتاب إذا كان ممن جبّل على أحسن شيمة يكون جرار العنان في مضمار المكارم الفقهيّة ومنير المشاغل والمعالم الأصولية في مدّة يسيرة فنتم الكلام الاعود الأنفع على نمط الايماء والإشارة في هذا الفصل في ضمن خزائن خزينة : توصية فيها نصيحة يجب مراعاتها لمن أراد تحصيل العلوم الشرعيّة خزينة عنوانية ومقدّماتية فاعلم أن كون العالم قمري التصوير شمسي التأثير صاحب ملكة تملأ العيون ويملك النفوس سلطان أقاليم الاخبار والأصول والفقاهة والتحقيقات وقهرمان ملك الجلالة والتنظيرات والتفريعات بحر الأصول الذي عذبت موارده وشهاب الفقه الذي التهبت مطالعه من أصعب الأمور بل من خط الجبال بالأنامل فان ذلك لا يكون الا من له فكرة مصيبة بها يستخرج الأصول والقواعد من الآيات والاخبار ويضمّ إليها الفروع المتبددة ويحصل من جزئيّات الفروع ضابطا ينتهى اليه بالفكرة المستقيمة محيطا بمقصد الشارع مما أريد منه كان المقبول عنده وما صدّ عنه كان المردود فذلك حظّ من خلق على فطانة كالشعلة الحرّاقة وقريحة ؟ ؟ ؟ كالينابيع السّيالة ومع ذلك بين ذاته والوساد مانعة الجمع وبين انكاره السهاد مانعة الخلوّ ان لمحت له بارقة اختطفها وان لاحت نادرة بادر إلى ثمرها واقتطفها فيعمل أفكاره ويداب ليله ونهاره ومع ذلك وقبل ذلك وبعد ذلك لا بدّ من إحاطة فضل اللّه تعالى وتوفيقه له به فلا يقطع ح ميدان الفقاهة الا بسوابق ذهنه ولا يسلك في سبيل الأصول الا ببصائر بيانه فترى التفريعات العجيبة تتحاسد في التسابق إلى خاطره والتنظيرات الغريبة تتغاير في الانثيال على اناطه ذكر التشقيقات أصغر صفاته وحل العويصات من كل باب عفو خطراته فكأنها هذه الصّناعات حوله حتى انتقى منها وانتخب وتناول منه ما طلب وترك بعد ذلك للغير من الفخامة اذنابا لا رءوسا وأجساد الا نفوسا فح يجمع بين وظيفة الاستبداد والتأسيس عنوانا وقاعدة وبحثا وفائدة وبين وظيفة احقاق الحقّ وابطال الباطل في المشاجرات للقوم والمتنازعات ممن تقدم وتأخر فلكون هذه المرتبة الكبرى والموهبة العظمى أعز من الكبريت الأحمر والإكسير الأعظم ترى ان أكثر الناس قد اقتصر وأعلى نقل الأقوال واخذ كلمات فحول النزال والاقتناع بالنّسج بذلك المنوال من الجمع والرّبط بين الكلمات والتصرّفات الجزئيّة بحثا وتسديدا زيدا ونقصا فهذا مما لا حظّ له عند المحققين ولا نصيب له بين فرسان الفهم في بيان اقسام العلوم ونسبة بعضها إلى الآخر فإذا عرفت هذه المقدّمة فاعرف مقدّمة أخرى اعلم أن العلوم على كثرتها وتشعّبها على ثلاثة أقسام من المنضوج المحترق وهو الفقه والحديث ومن المنضوج الغير المحترق وهو علم النحو والأصول ومن غير المنضوج وغير المحترق وهو غير العلوم الأربعة ويمكن الحاق التفسير والبيان بالثاني كما يمكن الحاق الأول منهما بالأول وكيف كان فعلم المعارف والعقائد داخل في الأول فح يكون الامر بكلمة كن في القسم الأول قيما وفي الثاني راجحا وفي ساير العلوم مشاركا مما في مخره ثم إن حاولت ان تعرف شرافة علم الفقه والأصول فقل انّ خير العلوم ما ازدوج فيه العقل والسّمع واصطحب فيه الفكر والشرع وان أردت لزوم الاهتمام بالأصول فقل ان الفروع لا تدرك الا بأصولها وان النتائج لا يعرف حقائقها الا بعد تحصيل العلم بمقدماتها ثم اعلم أن اتقن أنواع صناعة الفقه ما روعى في استنباطه جميع ما يحتاج اليه من المأخذ والمدارك واستعمل في المدارك جميع ما تحتاج اليه من العلوم نعم ان لمعرفة الضوابط التي تجمع جموعا والقواعد التي ترد إليها أصولا وفروعا مدخلا عظيما في تقوية الاستعداد لمراتب الاجتهاد المقول بالتشكيك خصوصا إذا أضيف إلى ذلك معرفة نوع المطارحات والعويصات التي يقصد بها تشحيذ الأذهان وان لم يضف بعد ذلك « 1 » معرفة نوع المغالطات ونوع الممتحنات ونوع الالغاز والمعمّيات ونوع الحيل ونوع الأفراد أي ما لكلّ من الأصحاب من الفروع الغريبة والوجوه العجيبة فقد بان ان الواجب على كلّ مقتصد للاقلال بأعباء الشريعة الإحاطة بعلم الأصول واتقانه والإضافة إلى ذلك استحكام القواعد الفقهية ليرجع إليها عند الغموض فينهض ح بعبء الاجتهاد واتمّ نهوضا فلا ضير ولا غائلة عليه ح أصلا وان لم يستكثر من حفظا لفروع ونظم الجزئيات إذا عرفت هذا فاعرف مقدّمة أخرى أيضا فاعلم انّ تأسيس الأصل من الأصول اللفظية في كلّ مقام من مقامات مباحث الالفاظ ممكن فكذا تأسيس الأصل من الأصول العملية في كل مقام من المقامات فقهية كانت أو أصولية ممكن وامّا تقنين قاعدة من القواعد الثانوية أو الثالثية أو الرابعية فهو وان لم يكن بهذه المثابة إلّا انه أيضا مما يمكن في أكثر الأبواب والمقامات فان القاعدة هو الامر الكلى الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة يفهم احكامها منها فقليلا ما يخلو من باب من الأبواب ومقام من المقامات عن تمشية قاعدة من القواعد فيه ثم إن القاعدة قد لا تختص بباب وتلك كجملة من القواعد من قاعدة الاستصحاب وقاعدة نفى الضرر وقاعدة نفى الحرج وقاعدة تبعيّة
--> ( 1 ) إلى ذلك