السيد محمد باقر الصدر

14

جواهر الأصول

الافتاء أي افتاء المجتهد للمقلد . تحليل عملية الافتاء هناك مشكلة عويصة لا بد من التخلص منها ، وهي فيما إذا قطع المجتهد بالحكم الواقعي ووصل إليه ، لا مانع له من الافتاء للمقلد فيكون ذلك من رجوع الجاهل إلى العالم وأهل الخبرة ، كما هو سيرة العقلاء في بقية الموارد والأمور العرفية ، فالمريض يرجع إلى الطبيب في مرضه لأنه ذو خبرة في ذلك الفن ، هذا في الأحكام الواقعية التي يشترك فيها العالم والجاهل . وأما في الاحكام الظاهرية فحيث إنها مختصة بالعالم والمجتهد لأنه الفاحص والذي يقدر على الفحص دون غيره ، فان المجتهد قادر على الفحص عن المعارض للخبر في بابه ، وعن المخصص والمقيد في باب ظهور الخبر في العموم أو الاطلاق فيكون شرط حجية الخبر متحققاً في المجتهد دون المقلد ، وكذا في باب الأصول العملية فان موضوعها « من فحص ولم يجد دليلًا فشك وتحير » ، يجري في حقه البراءة والاستصحاب وغيرهما من الأصول ، وهو المجتهد دون المقلد ، فإنه غير قادر على الفحص عن الدليل ، فالاحكام الظاهرية مختصة بالمجتهد ولا تشمل المقلد ، حينئذ يقع الاشكال في أنه كيف يجوز للمقلد الرجوع إلى المجتهد ؟ وكيف يمكن للمجتهد الافتاء للعامي ؟ مع أن الحكم الظاهري مختص به ولا يشمل العامي ، فلا يكون من قبيل الموارد التي يرجع الجاهل فيها إلى أهل الخبرة ويكون الحكم فيها مشتركاً بين العالم والجاهل ، ويزيد الاشكال وضوحاً فيما إذا كان الحكم الذي يفتي به المجتهد للمقلد غير مرتبط بالمجتهد أصلًا ، بل يكون من الأحكام المختصة بالمقلد ، كما إذا أفتى بمسائل الحيض والنفاس ، ولا بد في التخلص عن الاشكال والجواب عنه من التكلم في مقامات ثلاثة : المقام الأول : البحث عن أن أدلة الأحكام الظاهرية هل تشمل المقلد ايضاً ؟ أم هي مختصة بالمجتهد ؟ المقام الثاني : البحث عن أنه على فرض عدم شمول أدلة الأحكام الظاهرية