السيد عبد الأعلى السبزواري
41
تهذيب الأصول
وكل هذه الوجوه يصلح لحمل كلماتهم عليها وإن كان بعضها خلاف ظاهرها في الجملة . ومنها : أن مرادهم من عدم اعتبار القطع الحاصل من العقليات عدم اعتبار قاعدة الملازمة ، والرد عليها لا عدم ترتب الأثر على القطع المستند إلى المقدمات العقلية مطلقا . وقد استظهر هذا الوجه من مجموع الكلمات بعد رد بعضها إلى بعض ، فلا بد من بيان القاعدة أصلا وعكسا بنحو الأسد الأخصر ، حتى يتبين مورد صحتها وفسادها ، فنقول : قد اشتهر أن كل ما حكم به العقل حكم به الشرع ، وكل ما حكم به الشرع حكم به العقل . والمراد بحكم العقل في القضيتين أصلا وعكسا ، جزمه بالشيء بعد الإحاطة بخصوصياته ، وليس المراد به البعث والزجر المولوي لتقومهما بالثواب والعقاب ، وهما مختصان بالشارع فقط وليسا من شأن العقل في شيء أبدا . كما أن المراد بالعقل ليس العقول الجزئية التي تكون مناط التكليف ، ولا العقل الكلي - الذي أثبته الحكماء بأنه أول ما أفيض من المبدأ ، ويظهر من جملة من الأخبار التي جمعها الكليني قدّس سرّه في باب العقل والجهل من كتابه الشريف ، كقولهم عليهم السّلام : « العقل أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش » . لأن درك أحكامه وشؤونه يختص بمن خلقه أو من علمه ، بل المراد حكم العقلاء الذي تطابقت عليه آراؤهم ، كحسن الإحسان وقبح الظلم ، ولزوم شكر المنعم ، ونحو ذلك مما لم يتخلّف فيه عاقل ، كما لا يحتمل الخلاف فيه من عاقل إلى الأبد . فالمعنى حينئذ : أن ما تطابقت آراء العقلاء كافة على حسنه ، فالشارع بعث إليه في الجملة ، وما تطابقت آراؤهم على قبحه زجر عنه كذلك . والظاهر أن هذا المعنى من البديهيات التي لا ينبغي الارتياب فيها من أحد ، بل من أهم مقاصد الشرائع الإلهية دعوة الناس إلى فطرتهم السليمة ومرتكزاتهم العقلائية الصحيحة المتفق عليها عند جميعهم ، وإثارة دفائن