تقرير بحث السيد الخميني للاشتهاردي
93
تنقيح الأصول
بوجودها النفس الأمري بدون الطريق إليها من العلم وغيره ، مع اشتراكها بين العالم والجاهل ، ويمتنع تقييدها بالعلم كما عرفت ، وحينئذٍ ففي حال انسداد باب العلم بالتكليف يدور الأمر بين إهمال المكلَّفين وتركهم كالبهائم غير مكلّفين ، إلّا في مواضع نادرة يحصل العلم فيها بالتكليف ، أو إيجاب الاحتياط عليهم في موارد الشبهات ، أو جعل الأمارات التي هي طريق إلى الواقع . لا سبيل إلى الأوّل والثاني : أمّا الأوّل : فواضح . وأمّا الثاني : فلأنّه يستلزم مفسدة عظيمة ، وهي خروج الناس عن الدين وعدم التزامهم بالأحكام الشرعيّة ؛ لو وجب عليهم الاحتياط التامّ أو الناقص بالتجزّي في الاحتياط ؛ أي الإتيان بالشبهات التي يحتمل الوجوب فيها وترك ما يحتمل الحرمة مهما أمكن ، فإنّ ذلك متعذِّر أو متعسِّر ، وفيه ضرر ومشقّة عظيمة لا تُتحمّل ، بل يوجب الاختلال في نظامهم وأمور معاشهم ، وهذا ممّا لا شبهة فيه ، فتعيّن الثالث - أي جعل الأمارات - أو إمضاء بناء العقلاء على العمل بها ، فإنّها وإن كانت قد تؤدّي إلى خلاف الواقع ، لكن حيث إنّ الأمر دائر بين وقوع المفسدة العظيمة ، التي تصير سبباً لإهمال جميع الأحكام ، وبين جعلِ التعبُّد بالأمارات ، والإغماضِ عن الحكم الواقعي في بعض الموارد التي لا تُصادف الأمارةُ الواقع ، ورفع اليد وصرف النظر عنه مع وجوده واقعاً وعدم تغيُّره عمّا هو عليه ، لكن لم يُرِده الشارع فعلًا لأجل الاضطرار إلى ذلك وعدم المحيص عنه ، وحينئذٍ فالأحكام الواقعيّة في مورد الأمارات المؤدّية إلى خلاف الواقع محفوظة ، لكنّها شأنيّة لا فعليّة ، فإنّ ذلك لازم جعل الأمارات ، فإنّ الشارع المقدّس - مع التفاته وعلمه بأنّه قد تؤدّي الأمارة إلى خلاف الواقع حين جعلها - لا بدّ من إغماضه عن الأحكام الواقعيّة التي لا تصيبها الأمارة ، وهذا بخلاف الصور التي يُعذر العبد فيها ، كما في صورة