السيد محمد باقر الصدر
450
بحوث في علم الأصول
إذن فالبداء باب من أبواب العبادة ، وهذا لا يتناسب مع فكرة الندم والجهل كما أشكلوا . ومنها : إنّ البداء فرض من الأسس والأركان التي أخذ على الأنبياء حينما أرسلوا الالتزام به ، كما يفهم ممّا رواه الكليني ( قده ) بسند صحيح إلى الريان بن السلط . قال : سمعت أبا الحسن الرضا عليه السّلام يقول : « ما بعث اللّه تعالى نبيّا قطّ إلّا بتحريم الخمر ، وأن يقرّ للّه تعالى بالبداء » « 1 » . وهذا لا يتناسب أيضا مع ما أشكلوا به . ومنها : انّ الكلام في البداء والتحدّث به ، فيه أجر كبير كما روى الكليني ( قده ) بسنده إلى مالك قال : « سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : لو علم الناس ما في البداء من الأجر ، ما فتروا عن الكلام فيه » « 2 » ، وهذا يشعر بأنّ فكرة البداء لها مدلول تربوي في حياة الإنسان . بينما لا يوجد حثّ على النظر في كيفية علم اللّه تعالى . ومنها : ما يدلّ على أنّ البداء لا يعني التغيير في علم اللّه تعالى ، كما فيما روى الكليني ( قده ) عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : « ما بدا للّه في شيء إلّا كان في علمه قبل أن يبدو له » « 3 » . ومنها : ما يدلّ على أنّ البداء تأكيد لاختيار اللّه تعالى وسلطانه ، كما في رواية الريّان المتقدمة ، مضافا إليها - بعد قوله ، وأن يقرّ للّه بالبداء - قوله : « وانّ اللّه يفعل ما يشاء » ، إذن ، ينبغي أن يفسّر البداء على ضوء الاختيار والسعة في المشيئة ، في قبال من يدّعي ضيقا في المشيئة ، لا في قبال من يفسّر البداء بالمعنى اللغوي المتقدّم . وهذه الخصائص ، خصائص إجمالية وردت كلها في روايات معتبرة .
--> ( 1 ) للوقوف على هذه الأحاديث راجع البحار - ج 1 - ح 19 - 20 - 21 - 32 - 24 - 25 - 26 . ( 2 ) الكافي - ج 1 - ص 148 . ( 3 ) الكافي - ج ! - ص 148 .