السيد محمد باقر الصدر
55
بحوث في علم الأصول
مشتركة من دون أن يهمهم في المطلب أن تكون هذه القواعد بمفردها كافية للاستنباط أو لا ، أو أن يكون لها عين ناظرة إلى نفس الحكم أو لا . هذه خصوصيات ليس لها دخل في نكتة تأسيس هذا العلم ، وإنما نكتة تأسيس هذا العلم هو أنهم حصلوا على قواعد من هذا القبيل لا يناسب إدراجها في أي مسألة من مسائل علم الفقه ، ولهذا جعلوها مستقلة في المقام . هذا من ناحية أحد الشرطين ، وهو شرط أن تكون المقدمة مشتركة ، لا مقدمة مادية ، أي مأخوذة ( لا بشرط ) من حيث المادة . وكذلك أيضا من الواضح المناسبة للشرط الثاني ، وهو أن تكون المقدمة مقدمة في القياس الأخير ، يعني أن تكون من المبادئ التصديقية المباشرة لا أنها من مبادئ المبادئ ، ومن مبادئ مبادئ المبادئ ، إذ من الواضح أنه كلما ازداد الفاصل عن العلم ، وتتبعنا الأصول الأولية للمبادئ ، وصلنا إلى دوائر أوسع من هذا العلم ، يعني وصلنا إلى مقدمات مؤثرة في مجموعة من العلوم ، لا في هذا العلم بالخصوص . وتلك المقدمات التي تكون مؤثرة في مجموعة من العلوم لا في هذا العلم بالخصوص ، حينئذ يحسن أن تكتب في أصول مجموع تلك العلوم ، لا في أصول الفقه بالخصوص . ففي كل صنعة ، وفي أصول هذه الصنعة ، ننقح المبادئ التصديقية لتلك الصنعة ، لا المبادئ ومبادئ المبادئ وهكذا ، وإلّا لكان أصول كل علم عبارة عن تمام الأصول الدخيلة في المبادئ التصديقية للعلوم الأخرى أيضا . إذن فهذا الضابط بحسب الحقيقة ليس مجرد ضابط انتزاعي من كلماتهم ، بل هو ضابط أيضا ثبوتي في نفسه ، يعني لو كنّا نريد أن نؤسس من الآن علم الأصول فيجب أن نؤسسه ضمن هذا الضابط ، ونقول بأننا نبحث عن القواعد التي تتميز بهاتين النكتتين ، أولا : إنها مقدمات في القياس الأخير ، وثانيا : إنها مقدمات مشتركة لا مقدمات مادية . ونحن أشرنا منذ قليل إلى أن بعض القواعد الأصولية ( لا بشرط ) من حيث المادة ، ولكنها ( بشرط شيء ) من حيث نوع الحكم من قبيل صيغة ( افعل ) ، فإنها ( بشرط شيء ) من حيث نوع الحكم ، و ( لا بشرط ) من حيث المادة فيثبت بها