ملا محمد مهدي النراقي

485

انيس المجتهدين في علم الأصول

أو ما تركّب من بعضها أو جميعها ، أو الحكم مشروطا في الأصل بما ليس في الفرع ، أو ممنوعا في الفرع لمانع . والجواب بأنّ الغالب في الأحكام تعليلها ، والأصل عدم عدّ الأوصاف المحصورة « 1 » ، ضعيف . هذا . وعدم جواز الاستدلال بالسبر عندنا ظاهر ؛ لما عرفت « 2 » من قطعيّة بطلان مطلق القياس ، إلّا ما ثبت استثناؤه بالقطع أيضا . فغاية الأمر أن يفيد ظنّ العلّيّة ، وهو لا يقاوم القطع . وعلى هذا ، لو ثبت من الشرع حكم في أصل - كالربا في البرّ - يحكم بثبوته فيه ، ولكن لا يستند ثبوته فيه إلى الوصف المدّعى حتّى يثبت منه العمل بنفس السبر والتقسيم ، ويلزم منه بالطريق الأولى عدم جواز إثباته في محلّ آخر إذا كان هذا الوصف موجودا فيه حتّى يلزم العمل بقياس السبر . إن قلت : قد اعترفت بحجّيّة تنقيح المناط في الجملة وهو راجع إلى السبر والتقسيم . قلت : تنقيح المناط القطعيّ يرجع إلى التقسيم الحاصر ، والظنّيّ إلى المنتشر ، والأوّلان مقبولان ، والأخيران مردودان ، فلا منافاة . احتجّ الخصم « 3 » بأنّ كلّ حكم لا بدّ له من علّة ؛ للإجماع ؛ ولقوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 4 » ، فإنّه يفيد أنّه ارسل بأحكام شرعت لمصالحهم ؛ إذ لو ارسل بحكم لا مصلحة فيه ، لكان إرسالا لغير الرحمة ، فهو يفيد التعميم ، فثبت منه المطلوب وهو تعليل كلّ حكم بعلّة . ولو سلّم انتفاء العموم فنقول : الغالب في الأحكام التعليل ، والفرد يلحق بالأعمّ الأغلب . وإذا ثبت ذلك فنقول : القطع بتعيين العلّة غير ممكن ، فيكفي الظنّ به ، وهو يحصل بالسبر والتقسيم وبغيره من الطرق كالمناسبة والشبه والدوران ، فإذا ثبت ظهور علّيّة وصف لحكم شيء من هذه الطرق ، وجب اعتبارها والحكم بها ، إلّا أنّ ذلك لا يتوقّف في المناسبة على

--> ( 1 ) . الجواب للإسنوي في نهاية السؤل 4 : 128 . ( 2 ) . في ص 445 . ( 3 ) . قاله الفخر الرازي في المحصول 5 : 217 و 218 ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 289 - 291 . ( 4 ) . الأنبياء ( 21 ) : 107 .