ملا محمد مهدي النراقي
486
انيس المجتهدين في علم الأصول
سبق العلم بكون الحكم معلّلا ، ثمّ تعيين العلّة بها ، بل مجرّد المناسبة كاف في ظنّ العلّيّة بخلاف غيرها . ثمّ إفادة كلّ طريق للعلّيّة لمّا كانت فرع وجوده ، والسبر كان مركّبا من شقّين « 1 » : الحصر ، وحذف بعض الأوصاف وإبطال كونه علّة ، فوجوده « 2 » فرع وجودهما ، فقالوا : لثبوت الأوّل « 3 » يكفي التصفّح التامّ عن أوصاف الأصل وعدم الظفر على غير ما ظفر به ، لحصول الظنّ حينئذ بعدم غيرها ؛ لأنّ الغالب أنّ الأوصاف العقليّة والشرعيّة لا تخفى بعد الاستقراء ، مع أنّ الأصل عدم غيرها ، وإذا قال المجتهد في بيانه : بحثت فلم أجد سوى هذه الأوصاف والأصل عدم غيرها ، يصدّق ، بل يصدّق « 4 » وإن لم يعلّل بالأصل ؛ لعدالته وتديّنه . وللثاني ثلاث طرق : الأوّل : الإلغاء ، وهو بيان أنّ الحكم قد ثبت في الصورة الفلانيّة بدون الوصف المحذوف ، فعلم أنّه لا أثر له ، كما يقال في قياس الأرز على البرّ في الربويّة : القوت ليس بعلّة ؛ لأنّ الملح ربوي وليس بقوت . الثاني : أن يكون الوصف طرديّا - أي من جنس ما علم من الشرع إلغاؤه في جميع الأحكام - كالطول والقصر ، أو بالنسبة إلى ذلك الحكم ، كالذكورة والأنوثة في أحكام العتق . الثالث : أن لا يظهر له مناسبة ، ولا يلزم على المناظر أن يبيّن عدم المناسبة بدليل ، بل يكفي له أن يقول : بحثت فلم أجد له مناسبة . فإن عارض المعترض وقال : الوصف المتبقّي أيضا كذلك ، فإن أوجبنا على المستدلّ بيان المناسبة ، انتقل من السبر إلى الإخالة ، وهو قبيح عند أهل النظر ، فيلزم التعارض والمصير إلى الترجيح . وحينئذ نقول : إن سبق من المعترض تسليم مناسبة كلّ من الوصفين لم يسمع منه منع مناسبة المستبقى بعد بيان المستدلّ نفي مناسبة المحذوف ؛ لكونه مانعا لما سلّمه . وإن لم يسبق منه ذلك ، فللمستدلّ
--> ( 1 ) . كذا في النسختين . والأولى : « من الشقّين » . ( 2 ) . أي وجود الطريق فرع وجود الحصر والحذف . ( 3 ) . أي الحصر . ( 4 ) . قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 289 و 290 .