ملا محمد مهدي النراقي

452

انيس المجتهدين في علم الأصول

هذا ، ودليل التفصيل بعد تسليم اشتراط ذكرهما - أنّ إثبات ملزوم الشيء يقتضي إثباته ؛ إذ العلّة تستلزم المعلول فيكون بمثابة المذكور ، فيتحقّق الاقتران الخاصّ ، وإثبات اللازم لا يقتضي إثبات ملزومه ؛ إذ المعلول لا يستلزم العلّة - لا يخفى ضعفه من وجوه . [ التذنيب ] الثاني : الوصف المومى إليه قد لا يكون بنفسه علّة بل بلازمه ، مثلا قوله عليه السّلام : « لا يقضي القاضي وهو غضبان » « 1 » وإن دلّ بظاهره على أنّ العلّة هي الغضب ، إلّا أنّ التأمّل يعطي أنّ المانع عن القضاء حقيقة هو تشويش الفكر اللازم للغضب ، ولذا جعل الجوع والألم المفرطان المشوّشان للفكر مثله . وعلى هذا ، فالغضب اليسير الذي لا يوجب الاضطراب لا يكون مانعا من القضاء . ولو جعل العلّة نفسه ، لكان اليسير أيضا مانعا منه . [ التذنيب ] الثالث : لا ريب في اشتراط نفس مناسبة الوصف المومى إليه للحكم في صحّة علل الإيماء . وأمّا ظهورها ، فقد اختلف فيه على أقوال ، ثالثها الاشتراط فيما فهم التعليل فيه من المناسبة ، كقوله : « لا يقضي القاضي وهو غضبان » « 2 » وعدمه في غيره « 3 » . والحقّ أنّ ترتّب الحكم على الوصف يفيد العلّيّة ، وتكون علل الإيماء صحيحة وإن لم يكن مناسبتها للحكم ظاهرة عندنا ؛ فإنّ القدر المسلّم أنّ بين الوصف والحكم مناسبة . وأمّا كونها بحيث كانت ظاهرة عندنا ، فلا دليل عليه ، وما يؤكّده أنّ قول القائل « أهن العالم وأكرم الجاهل » مستقبح ، مع أنّ ذلك قد يحسن لمعنى آخر ، فدلّ على أنّه لفهم التعليل . وممّا يتفرّع عليه أنّه إذا سمع مؤذّنا بعد مؤذّن ، يستحبّ له حكاية الجميع ؛ لقوله : « إذا سمعتم المؤذّن » « 4 » وهو متحقّق فيهما . نعم ، ربّما كان الاستحباب في الأوّل آكد « 5 » .

--> ( 1 و 2 ) . تقدّما في ص 450 . ( 3 ) . ذكره الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 288 ، والفخر الرازي في المحصول 5 : 143 - 155 . ( 4 ) . سنن ابن ماجة 1 : 238 ، ح 720 ، وصحيح البخاري 1 : 221 و 222 ، ح 586 / 588 ، وسنن النسائي 2 : 25 و 26 ، ح 669 ، وصحيح مسلم 1 : 288 ، ح 11 / 384 . ( 5 ) . لمزيد الاطّلاع على المسألة وما يتفرّع عليها راجع تمهيد القواعد : 261 .