ملا محمد مهدي النراقي
436
انيس المجتهدين في علم الأصول
وأمّا الأصل ، فهو عند الفقهاء المحلّ المشبّه به الذي ثبت به الحكم ، كالخمر « 1 » . وعند جماعة حكمه ، كحرمته « 2 » . وعند المتكلّمين دليل الحكم ، كقوله صلّى اللّه عليه وآله : « حرّمت الخمر » « 3 » . وضعّف الأوّل : بأنّه لو انتفى الحكم من المحلّ ، لم يتأتّ القياس عليه ، فلا يكون أصلا . و [ ضعّف ] الثالث : بأنّه لو علم الحكم بالضرورة ، أمكن القياس عليه وإن لم يكن عليه دليل ، فبقي الأصل إمّا حكم « 4 » محلّ الوفاق ، أو علّته « 5 » . وفيه : أنّ الكلام على فرض ثبوت الحكم في المحلّ ووجود دليل عليه ، وحينئذ لا مانع في تسمية كلّ واحد منهما أصلا ؛ لأنّ الأصل ما يبتنى عليه الشيء ، والحكم في الفرع وإن ابتنى ابتداء على الحكم في الأصل إلّا أنّه يبتنى على دليله ومحلّه وعلّته أيضا بالواسطة ؛ لابتنائه عليهما . فالحقّ أنّه لا بأس بتسمية كلّ من الأربعة أصلا . وأمّا الفرع ، فهو عند الفقهاء المحلّ المشبّه الذي يراد إثبات الحكم فيه « 6 » ، وعند الاصوليّين حكمه « 7 » . وربّما قيل بأولويّة الثاني ؛ لأنّ الأوّل ليس متفرّعا على الأصل ، بل هو أصل الحكم الذي هو فرع القياس ، فهو أصل فرع . ويقابل بأنّ الثاني ثمرة القياس وفائدته ، فيتأخّر عنه ، فلا يكون من أركانه « 8 » . فالحقّ أنّ لكلّ واحد من الأقوال في الأصل والفرع وجها صحيحا . وقيل : الحكم والعلّة يتعاكسان أصالة وفرعيّة في محلّ الوفاق والخلاف ، فالحكم أصل للعلّة وهي فرع له في الأوّل ؛ إذ تستنبط بعد ثبوته ، والعلّة أصل للحكم وهو فرع لها في الثاني ؛ إذ يعلم ثبوته بثبوتها « 9 » . وله أيضا وجه صحيح .
--> ( 1 و 2 ) . حكاهما عن الفقهاء البصري في المعتمد 2 : 197 ، والفخر الرازي في المحصول 5 : 16 . ( 3 ) . كنز العمّال 5 : 498 ، ح 13735 . ( 4 ) . منصوب ب « كائنا » المقدّر قبل « إمّا » . ( 5 ) . قاله الفخر الرازي في المحصول 5 : 17 . ( 6 إلى 9 ) . حكاهما البصري عن الفقهاء والمتكلّمين في المعتمد 2 : 199 . ولم يذكرا أقوال الاصوليّين ؛ لأنّ اصطلاحهم يبتني على اصطلاح الفقهاء ، كما أشار إليه المؤلّف ، والفخر الرازي في المحصول 5 : 18 و 19 .