ملا محمد مهدي النراقي
430
انيس المجتهدين في علم الأصول
أمّا الثاني « 1 » ، فظاهر . وكذا الثالث عند من يعمل بالقياس . وأمّا الرابع ؛ فلأنّ العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لدليل أقوى ممّا لا ريب فيه ، ولذا اتّفق عليه الكلّ ، ومنه العدول عن حكم العموم والإطلاق للمخصّص والمقيّد . فظهر أنّ الاستحسان بكلّ من هذه المعاني لا يقبل النزاع ، فإن أظهر الخصم استحسانا يصلح أن يكون محلّا للنزاع ، يردّ بأنّه لا دليل عليه ، فليس بحجّة . أقول : الاستحسان : استفعال من الحسن ، أي عدّ الشيء حسنا . ويطلق على ما يميل إليه الإنسان ويهواه من الصور والمعاني والأفعال . والظاهر أنّ من قال بحجّيّته - وهم الحنفيّة « 2 » والحنابلة « 3 » - أرادوا منه إثبات الحكم بمجرّد كونه مستحسنا عند المجتهدين من غير دليل من قبل الشارع ، ولذا أنكره غيرهم من الخاصّة والعامّة ، حتّى قال الشافعي : « من استحسن فقد شرّع » « 4 » . وحينئذ يكون تعريفه الصحيح عندهم أحد الأوّلين ، ويكون مرادهم من الدليل المنقدح ما يختلج ببال المجتهد ويستحسنه وإن لم يكن من الأدلّة المعتبرة المعروفة ، ومن العادة ما لم يثبت من سنّة ، ولا من دليل آخر واستحسنه المجتهد بوجه آخر . والتعريف الأوّل ناظر إلى ثاني المعنيين اللذين ذكرناهما ، ويعمّ جميع أفراد الاستحسان . والثاني ناظر إلى أوّلهما ويخصّ بعض أفراده . والتعريفات الباقية صدرت هفوة ممّن لم يحصّل مرامهم . وحمل النزاع على اللفظي ينافي طول التشاجر بينهم وبين سائر المسلمين في إثباته وتزييفه ، وإفراد الفريقين مبحثا خاصّا له في كتبهم ؛ مع أنّ إطلاق الاستحسان على ما هو مقبول شرعا لا يقبل النزاع ؛ لإطلاقه عليه في قوله تعالى : فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ « 5 » ، وقوله
--> ( 1 ) . كذا في النسختين ، والظاهر تبديل « الثاني » و « الثالث » و « الرابع » بالثالث والرابع والخامس ؛ لأنّها المراد من البواقي . ( 2 و 3 ) . راجع : المعتمد 2 : 296 ، وفواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 2 : 321 ، ونهاية السؤل 4 : 398 . ( 4 ) . حكاه عنه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4 : 162 . ( 5 ) . الزمر ( 39 ) : 18 .