ملا محمد مهدي النراقي

398

انيس المجتهدين في علم الأصول

نعم ، يمكن ادّعاء الظنّ على بقاء ما كان على ما كان - وجودا كان أو عدما - إلى أن يعلم المزيل ، كما يأتي في استصحاب حال الشرع « 1 » . وربّما استدلّ عليه بأنّ اللّه تعالى صوّب الكفّار في مطالبتهم البرهان من الرسل على نبوّتهم حتّى قال : تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ « 2 » ، والتصويب لأجل تمسّكهم بالنفي الأصلي وهو عدم النبوّة . ثمّ أصل العدم أعمّ من كلّ من أصل البراءة والاستصحاب المذكور ، وهو ظاهر . ووجه حجّيّته يعلم ممّا ذكر فيهما . وما ذكر في أصل البراءة « 3 » من أنّه لا يجوز التمسّك به فيما يلزم منه ثبوت شغل الذمّة من جهة أخرى يأتي في أصل العدم أيضا ، فلا يصحّ أن يقال في الماء الملاقي للنجاسة المشكوك كرّيّته : الأصل عدم بلوغه كرّا ؛ للزوم الاجتناب عنه حينئذ . وكيفيّة التفريع ظاهرة . مثلا إذا شكّ في كون المذي ناقضا للوضوء نقول : عدم نقضه كان ثابتا في السابق ، فكذا الآن . ومنه عدم وجوب الزكاة لو شكّ في بلوغ النصاب ، وعدم قتل الصبيّ الذي شكّ في بلوغه . واعلم أنّ كلّ واحد من الأصول التي تنتهض حجّة لنفي الحكم إنّما يدلّ على سقوط التكليف به عنها ، لا على نفيه في الواقع ؛ لما عرفت من عدم دلالتها عليه « 4 » ، ولاستفاضة الأخبار بأنّ للّه في كلّ واقعة حكما مودعا عند الأئمّة عليهم السّلام إلّا أنّهم لم يتمكّنوا من إظهار الجميع « 5 » . نعم ، إن كان الحكم ممّا يعمّ به البلوى ولم يوجد دليل على ثبوته ، يمكن ادّعاء نفيه في الواقع ؛ لما يأتي « 6 » .

--> ( 1 ) . يأتي في ص 401 . ( 2 ) . إبراهيم ( 14 ) : 10 . ( 3 ) . تقدّم في ص 396 . ( 4 ) . تقدّم في ص 389 . ( 5 ) . راجع : نهج البلاغة : 686 - 687 ، قصار الحكم : 147 ، والوافية : 179 . ( 6 ) . يأتي في ص 401 .