ملا محمد مهدي النراقي

355

انيس المجتهدين في علم الأصول

اتّفاق حصل منه العلم به يكون حجّة وإن لم يكن اتّفاق الكلّ ، بل وإن علم مخالفة البعض ، كما يأتي « 1 » . ولا يخفى أنّه على اعتبار النقل في زمان انتشر فيه الأقوال ، يلزم عدم العلم بشيء من الإجماعات . بيان ذلك : أنّه لا ريب في انتشار الأقوال في عصر المفيد وما قاربه ، وفي أنّ ابتداء حدوث نقل الإجماع إنّما كان فيه ؛ لعدم نقل الإجماع على حكم ممّن تقدّمه إلّا ممّن شذّ فيما شذّ ، وفي هذا العصر وبعده لا يمكن العلم بالإجماع ، لا بالتتبّع على ما هو الفرض ، ولا بالنقل ؛ لعدم ثبوته ممّن تقدّمهم ، مع أنّه إن وصل نقل إجماع ممّن تقدّمهم إلى طبقة منهم ، لا يمكن أن يفيد العلم أو الظنّ لهم وإن كان متواترا ؛ لأنّه يتوقّف على تتبّع أقوال المعاصرين ومن تقدّمهم من طبقاتهم ، وهو غير ممكن . هذا ، واحتجّ من أنكر إمكان العلم به مطلقا « 2 » بأنّه يتوقّف على المشافهة ، أو التواتر « 3 » ، وهما متعذّران ؛ لانتشارهم شرقا وغربا ، مع احتمال خفاء بعضهم عمدا لئلّا يتّفق أو يخالف ، أو كذبه في قوله : رأيي كذا ، أو رجوعه قبل قول الآخر به ، أو كونه في مطمورة « 4 » لا يعرف له أثر إمّا لخموله ، أو أسره ، أو طول غيبته « 5 » . والجواب : أنّه تشكيك في مقابلة الضرورة ؛ فإنّ اتّفاق كلّ أمّة على ضروريّات دينهم ، واجتماع كلّ فرقة على بديهيّات مذهبهم ممّا يعرفه خواصّهم وعوامّهم بالضرورة ، ولا ريب في أنّه لم يحصل « 6 » من تفحّص أعيانهم وسماع أقوالهم منهم مشافهة ، بل حصوله من التسامع وتواتر الأخبار عليه كما سبق « 7 » . وكما يجوز ذلك في الضروريّات للخواصّ والعوامّ ، يجوز

--> ( 1 ) . في ص 357 . ( 2 ) . أي سواء كان المعلوم إجماعا محصّلا أو منقولا . ( 3 ) . التواتر في المنقول والمشافهة في المحصّل . ( 4 ) . المطمورة : حفرة يطمر فيها الطعام أي يخبأ . الصحاح 2 : 726 ، « ط م ر » . ( 5 ) . حكاه الفخر الرازي في المحصول 4 : 22 ، والآمدي عن أحمد بن حنبل في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 256 . ( 6 ) . أي العلم بالاتّفاق . ( 7 ) . تقدّم في ص 349 .