ملا محمد مهدي النراقي
245
انيس المجتهدين في علم الأصول
وبالجملة ، الحقّ عدم اشتراط الإيمان ، والآية لنا لا علينا ؛ لأنّه تعالى أمر بالتثبّت عند خبر الفاسق ، وهو الفحص والتفتيش حتّى يظهر الصدق أو الكذب ، وهو كما يكون عن حال الخبر - بأن يستعلم كيفيّته عن مخبر آخر ، أو القرائن الخارجيّة - فكذا يكون عن حال المخبر بأن يستعلم حاله في الصدق والكذب ، فإن ظهر أنّه ثقة ، متحرّز عن الكذب ، يظنّ صدق الخبر بدلالة التبيّن ، وهو المطلوب . وتخصيص التبيّن بالأوّل لا دليل عليه . فإن قلت : على هذا يلزم قبول رواية الكافر إذا كان متحرّزا عن الكذب بعين ما ذكرت . قلت : نعم ، إلّا أنّه مخصّص بالإجماع ، وعمل الطائفة . فإن قلت : على ما ذكرت يلزم جواز جمع التوثيق والتفسيق ، وهو يوجب عدم الوثوق بعدالة أكثر الموثّقين من أصحابنا . قلت : توثيق أرباب الرجال مساوق للتعديل ، مع أنّ الفائدة في معرفتهم ليست إلّا العلم بصدقهم أو كذبهم ، فإذا علم صدقهم من الإيمان والتوثيق ، فلا يهمّنا معرفة حالهم في باقي صفاتهم ، ولا يثمر لنا فائدة أصلا . ويمكن الجواب عن الآية بمنع صدق الفاسق على المخطئ في بعض الأصول بعد بذل جهده ؛ نظرا إلى العرف المتأخّر « 1 » ، وحينئذ يثبت من المفهوم قبول رواية المخطئ في بعض الأصول إذا كان مسلما ، وردّ روايته إذا كان كافرا ، والفارق هو الإجماع . ومنها : العدالة ، وهي في الأصل تعديل القوى النفسانيّة وتقويم أفعالها بحيث لا يغلب بعضها « 2 » ؛ فإنّها لمّا كانت كالمتناقضة كانت الفضيلة في تعديلها ، فيحصل من تعديل القوّة العاقلة فضيلة الحكمة ، ومن تعديل القوّة الشهويّة فضيلة العفّة ، ومن تعديل القوّة الغضبيّة فضيلة الحلم « 3 » والشجاعة ، وإذا حصلت هذه الفضائل ، تحصل منها ملكة هي تمام
--> ( 1 ) . أي في معنى الفسق . ( 2 ) . في « ب » : « بعضها على بعض » . ( 3 ) . لم يرد في « ب » : « الحلم » .