ملا محمد مهدي النراقي

173

انيس المجتهدين في علم الأصول

المعدوم مكلّف « 1 » . ولا بدّ من تحرير محلّ النزاع ، والإشارة إلى ما هو الحقّ . فنقول : يتصوّر هاهنا صور : الأولى : أن يكون المراد من تكليف المعدوم تكليفه تنجيزا ، بأن يطلب منه الفعل في حالة العدم ، ولا ريب في بطلانه ؛ فإنّ الفهم لو كان شرطا للتكليف ، فالوجود أولى بذلك . والظاهر أنّ الأشعري أيضا لم يقل به . الثانية : أن يكون المراد منه تكليفه في حالة الوجود ، بأن لا يكون التكاليف الشرعيّة متعلّقة بالمعدوم في حالة عدمه ، بل إذا صار موجودا وحصل فيه شرائط التكليف حدث تعلّقها به ، وعلى هذا لم يتوجّه على المعدوم شيء ، لا تنجيز التكليف ، ولا التعلّق العقلي . وإطلاق تكليف المعدوم على ذلك بناء « 2 » على أنّه لمّا استمرّ الأمر الأزلي إلى زمان وجوده وصار بعد الوجود داخلا تحته ، فكان للأمر المذكور علاقة ما به في حال عدمه أيضا . وغير خفيّ أنّ هذا لا ضير فيه ؛ لأنّ بناءه على أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم أخبر الموجودين الحاضرين بأنّ كلّ معدوم يوجد ، فيكلّفه اللّه بما كلّفكم ، فالأوامر الإلهيّة لم تتعلّق بالمعدومين مطلقا ، ولكن لمّا علم اللّه أنّه يوجد المعدومين ، فأخبر الأنبياء بأن يخبروا الموجودين بأنّ من يوجد يكون مكلّفا بما يتضمّن هذه الأوامر ، فيحدث تعلّق الأمر بكلّ أحد بعد وجوده بخبر النبيّ . وهذا ممّا نقول به ، ولكنّ الإطلاق المذكور على ذلك غير مناسب ، والتعليل المذكور غير صالح لتصحيحه ، ومراد الأشاعرة أيضا ليس هذا . الثالثة : أن يكون المراد منه التعلّق العقليّ ، وهو أنّ المعدوم الذي علم اللّه في الأزل أنّه يوجد فيما لا يزال قد تعلّق به التكليف الذي يفعله إذا وجد وحصل فيه شرائط التكليف ، وعلى هذا يتعلّق التكليف بالمعدوم ، إلّا أنّه ليس تعلّقا تنجيزيّا . وأورد عليه : بأنّ مطلق التعلّق يتوقّف على متعلّق موجود ؛ لأنّ الإضافة تتوقّف على المضاف إليه « 3 » .

--> ( 1 ) . وممّن صرّح به الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 202 . ( 2 ) . خبر لإطلاق . ( 3 ) . راجع : المحصول 2 : 255 - 259 ، وتهذيب الوصول : 117 ، والإحكام في أصول الأحكام 1 : 202 .