ملا محمد مهدي النراقي
111
انيس المجتهدين في علم الأصول
تذنيب قد يتداخل بعض الأسباب ، كأسباب الوضوء أو الغسل . فإن نوى رفع واحد منها يرتفع الجميع ، ولا يحتاج إلى نيّة رفع غيره . نعم ، إن نوى عدم رفع غيره يبطل . والحقّ أنّ هذا الحكم يعمّ أسباب الأغسال الواجبة والمسنونة . ومنه موجبات الإفطار في يوم واحد بالنسبة إلى التكفير ، والسرقات المتكرّرة مع عدم الظفر بالسارق ، ومرّات الزنى بالنسبة إلى وجوب الحدّ ، وأسباب سجود السهو على رأي بعض الأصحاب « 1 » ، ومرّات وطء الشبهة بالنسبة إلى وجوب مهر واحد « 2 » . ثمّ الأصل عدم تداخل الأسباب ؛ لأنّ العقل حاكم بأنّ كلّ سبب يجب أن يترتّب عليه منفردا مسبّبه ، وكلّ علّة يجب أن يوجد معلوله « 3 » وحدها « 4 » إذا كانت مستقلّة في العلّيّة ، وإلّا يلزم توارد العلل على المعلول الواحد . والقول بأنّ علل الشرع معرّفات يجوز تواردها على معلول واحد « 5 » ، كلام خال عن التحقيق ؛ فإنّ الشارع إذا جعل أشياء أسبابا لأمر ، كلّ واحد منها مستقلّ في سببيّته له ، فبعد حصول كلّ واحد منها يجب صدور مسبّبه على حدة وإن حصلت جميعا دفعة ؛ لأنّ ذلك حكم السببيّة والمسبّبيّة ، ولا جهة للاكتفاء بواحد للجميع « 6 » . نعم ، يجوز التخلّف في العلل الشرعيّة بدليل خارجيّ ، بخلاف العلل العقليّة ، فالأسباب المذكورة التي وقع فيها التداخل لأجل الدليل الخارجي ، مثلا علّة تداخل أسباب الوضوء أو الغسل أنّه لا معنى لارتفاع نفس الأحداث التي هي أسباب ، بل المرتفع القدر المشترك
--> ( 1 ) . ذهب إليه الشيخ في المبسوط 1 : 123 . ( 2 ) . راجع : الفروق للقرافي 2 : 30 ، والقواعد والفوائد 1 : 44 و 45 ، القاعدة 14 . ( 3 ) . كذا في النسختين ، والصحيح « معلولها » . ( 4 ) . كذا في النسختين ، والصحيح « وحده » . ( 5 ) . قال الشهيد في القواعد والفوائد 1 : 39 : « السبب . . . اصطلاحا ، كلّ وصف ظاهر منضبط دلّ الدليل على كونه معرّفا لإثبات حكم شرعي » . ( 6 ) . والاكتفاء وعدم الاكتفاء بواحد للجميع عبارة عن تداخل المسبّبات وعدمه ، دون تداخل الأسباب وعدمه ، والكلام في الثاني دون الأوّل ، وكذا قوله : « ارتفاع القدر المشترك يحصل بواحد » .