الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

70

انوار الأصول

بين الناس ، فلا موضوع للحلّية والحرمة حينئذٍ . الثاني : في جريان أصالة عدم التذكية من ناحية الشبهة الموضوعيّة . كان البحث إلى هنا في جريان أصالة عدم التذكية من ناحية الشبهة الحكميّة ، وأمّا جريانها من ناحية الشبهة الموضوعيّة فيتصوّر له ثلاث صور : الأولى : في القطعة المطروحة في الطريق التي شكّ في أنّها من الحيوان المذكّى أو غير المذكّى ، فلا إشكال في أنّها محكومة بالحرمة لجريان أصالة عدم التذكية فيها بمعانيها الثلاثة كما لا يخفى ، وأمّا الرواية « 1 » الواردة في السفرة المطروحة في الطريق من أنّه يجوز أكل لحمها فالظاهر أنّه لمكان كون البلد بلداً مسلماً ، وهو أمارة على الحلّية ، ومقدّمة على أصالة عدم التذكية . الثانية : في القطعة المبانة التي يدور أمرها بين حيوانين ، أحدهما مذكّى ، والثاني غير مذكّى ، ففيها أيضاً تجري أصالة عدم التذكية ، نعم أنّها لا تجري بالنسبة إلى نفس القطعة لأنّ التذكية صفة تعرض على كلّ الحيوان لا على بعضه بل لا بدّ أن يكون المستصحب عنوان « ما أخذ منه اللحم » فيقال الحيوان الذي يكون منه هذا اللحم كان غير مذكّى ، فيستصحب عدم تذكيته الذي من آثاره عدم حلّية هذه القطعة أيضاً . الثالثة : ما إذا كانت هناك قطعات مختلفة مذكّاة وغير مذكّاة اختلط بعضها ببعض ، فهل يجب الاجتناب عنها أو لا ؟ فيتصوّر فيها صورتان : تارةً يكون كلا الحيوانين داخلين في محلّ الابتلاء ، فلا إشكال في وجوب الاجتناب عن كلّ واحد من تلك القطعات لمكان العلم الإجمالي ، وأخرى يكون أحدهما خارجاً عن محلّ الابتلاء ففيها وإن لم يكن العلم الإجمالي منجّزاً لكن تجري أصالة عدم التذكية بالنسبة إلى « ما أخذ منه هذا اللحم » ويحكم بحرمة كلّ قطعة بلا ريب . فتحصّل من ذلك جريان أصالة عدم التذكية في الشبهة الموضوعيّة بجميع صورها . ثمّ إنّ هاهنا إشكالًا أورده بعض الأعلام على جريان أصالة عدم التذكية مطلقاً وفي جميع

--> ( 1 ) وهي ما رواه السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها وخبزها وجبنها وبيضها وفيها سكّين . فقال أمير المؤمنين عليه السلام : يقوّم ما فيها ثمّ يؤكل لأنّه يفسد وليس له بقاء فإن جاء طالبها غرموا له الثمن ، قيل : يا أمير المؤمنين : لا ندري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي فقال : هم في سعة حتّى يعلموا . ( وسائل الشيعة : كتاب الصيد والذبائح الباب 38 ، ح 2 ) .