الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

613

انوار الأصول

ولكن يرد عليه : أنّ الإطلاقات منزّلة على بناء العقلاء ولا تعدّ دليلًا مستقلًا برأسها . فظهر أنّ الدليل السالم عن المناقشة للطائفة الثانية ( القائلين بالجواز ) إنّما هو بناء العقلاء ، كما أنّ الدليل السالم عن المناقشة للطائفة الأولى إنّما هو الإجماع . وقد استشكل في الإجماع أوّلًا : بأنّه مدركي ، ومدركه أمّا أصالة عدم الحجّية أو انصراف الإطلاقات إلى الأحياء . ولكن قد مرّ الجواب عنه آنفاً . وثانياً : بأنّه لا يكون كاشفاً عن رأي المعصوم عليه السلام لعدم اتّصال المجمعين بزمانه ، من باب أنّ التقليد المبحوث عنه أو الاجتهاد المصطلح اليوم أمر حادث في زماننا ولم يكن رائجاً في ذلك الزمان . ولكن يرد عليه أيضاً : أنّ التقليد بهذا المعنى الحديث ولو في مستواه البسيط كان موجوداً في ذلك الزمان أيضاً ، وأنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يرجعون الناس إلى أصحابهم الموجودين في البلاد الإسلاميّة ، خصوصاً إذا لاحظنا أنّ مسلمي سائر البلاد لم يكن بإمكانهم الرجوع إلى الإمام عليه السلام في مسائلهم الشرعيّة وحاجاتهم الدينيّة ، بل كانوا يرجعون فيها إلى علماء البلاد قطعاً ، والعلماء أيضاً يستنبطونها من الأدلّة الموجودة بأيديهم بعد علاج تعارضها وحمل المطلق على المقيّد والعام على الخاصّ والأخذ بأنواع المرجّحات ، إلى غير ذلك ممّا كان من وظيفة المجتهد حتّى في تلك الأعصار . أضف إلى ذلك أنّ تقليد الحي إنّما هو رمز بقاء المذهب وتحرّكه في جميع شؤونه وتجدّده عصراً بعد عصر وجيلًا بعد جيل ، بل هو رمز لازدهار علم الفقه وتقدّمه على مرّ الدهور والليالي والأيّام ، بل الإنصاف أنّ الثورات الإصلاحيّة بيد العلماء والفقهاء في تاريخ التشيّع أثر من آثار هذا الأمر ، كما شاهدناها في ثورة عصرنا ، وذلك أنّ الناس لو كانوا مقلّدين لشيخ الطائفة مثلًا فسوف لا يهتمّون بالأحكام الصادرة من جانب الفقهاء الموجودين لا سيّما قائد الثورة . وبالجملة : أنّ القول بكفاية تقليد الميّت كلمة توجب المسرّة لأعدائنا لأنّها مانعة عن حركة الأحياء وقيادتهم ، وهو الفارق الأساسي بين علماء الشيعة وعلماء السنّة ، وسرّ نشاط الطائفة الأولى وركود الطائفة الثانية .