الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

568

انوار الأصول

نصّ ، فالنصّ كأنّه مقطوع به من جهة الشرع ، لكن لا يصير حكماً في حقّ المجتهد إلّا إذا بلغ وعثر عليه ، وأمّا إذا لم يبلغه ولم يعثر عليه فليس هو حكماً في حقّه إلّا بالقوّة ، لأنّ الحكم الفعلي عبارة عن النصّ البالغ المعثور عليه ، وأمّا ما لم يرد فيه نصّ فيعلم أنّه لا حكم فيها لأنّ حكم اللَّه تعالى خطابه ، وخطابه يعرف بأن يسمع من الرسول أو يدلّ عليه دليل قاطع من فعل النبي صلى الله عليه وآله أو سكوته ، فإذا لم يكن خطاب لا مسموع ولا مدلول عليه فكيف يكون فيه حكم ؟ « 1 » . أقول : إنّ هذا التقسم قد نشأ من الخلط بين مراتب الحكم الثلاثة : مرتبة الجعل ، وهي مرحلة الإنشاء ، نظير ما يصوّب في مجالس التقنين في زماننا هذا قبل الإبلاغ إلى الدولة والموظفين للإجراء ، فإنّه وإن كان مصوباً في هذه المجالس ولكن لا يكلّف المواطنون بالعمل به إلّا بعد إبلاغه رسميّاً إلى الدولة . ومرحلة الفعليّة وهي مرحلة الإبلاغ والبعث أو الزجر فيلزم العمل على طبقه . ومرحلة التنجيز ، وهي مرحلة استحقاق العقاب في صورة ترك العمل ، وهي لا تشمل الجاهل القاصر أو العالم العاجز عن العمل به وأمثالهما . في بطلان القسم الأوّل من التصويب ( التصويب الأشعري ) إذا عرفت هذه الأمور الثلاثة فاعلم : أنّ الحقّ بطلان التصويب بالمعنى الذي اشتهر بين المصوّبة ( أي التصويب الأشعري ) لأنّ هذا المعنى من التصويب يبتني على أمرين : 1 - وجود وقائع خالية عن الحكم . 2 - أن يكون اختيار التقنين بيد الفقيه فيكون من شؤون الفقيه جعل الحكم وتقنين الأحكام فيما لا حكم فيه ، ذلك الأمر الذي يعبّر عنه أخيراً بالتشريع الإسلامي ، والذي يذكر له مصادر ومنابع . وكلا الأمرين قابل للمناقشة والمنع :

--> ( 1 ) الأصول العامة للفقه المقارن : ص 618 .