الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
567
انوار الأصول
توضيح ذلك : قد مرّ أنّ الاجتهاد بالمعنى العام هو استنباط الحكم عن أدلّته التفصيليّة وأنّ الاجتهاد بالمعنى الخاصّ هو تقنين المجتهد وتشريعه فيما لا نصّ فيه ، ولا إشكال في عدم لزوم التصويب المحال بناءً على الاجتهاد بالمعنى الخاصّ لأنّه ليس فيما لا نصّ فيه حكم على زعمهم حتّى يقال بأنّه لا بدّ للطلب من مطلوب ، وقد نصّ على ذلك الغزالي في مستصفاه ، وقال : « إنّه ليس في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن يطلب بالظنّ ، بل الحكم يتبع الظنّ ، وحكم اللَّه تعالى على كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه ، وهو المختار ، وإليه ذهب القاضي ، وذهب قوم من المصوّبة إلى أنّ فيه حكماً معيّناً يتوجّه إليه الطلب ، إذ لا بدّ للطلب من مطلوب ، لكن لم يكلّف المجتهد إصابته ، فلذلك كان مصيباً وإن أخطأ ذلك الحكم المعيّن الذي لم يؤمر بإصابته ، بمعنى أنّه أدّى ما كلّف فأصاب ما عليه » « 1 » . وقد نسب مؤلّف الأصول العامّة القول الأوّل إلى محقّقي المصوّبة ، وقال بعد ذلك : « وقد عرف القسم الأوّل من التصويب على ألسنة بعض الباحثين من الأصوليين بالتصويب الأشعري كما عرف القسم الثالث بالتصويب المعتزلي » « 2 » . فظهر أنّه بناءً على ما ذهب إليه مشاهير المصوّبة أنّه لا موضوع للقسم الأوّل من التصويب فيكون التقسيم ثلاثيّاً ، نعم أنّه رباعي بناءً على قول غيرهم ، كما ظهر أنّ التصويب الأشعري هو هذا المعنى المنسوب إلى مشاهير المصوبة ، لا ما مرّ من القسم الأوّل ، وأنّ التصويب المعتزلي هو نفس ما عليه المخطئة لا القسم الثاني من الأقسام الأربعة السابقة . والحاصل أنّ الاشتباه في دعوى استحالة القسم الأوّل من التصويب نشأ من توهّم كون المراد من الاجتهاد هو الاجتهاد بالمعنى المعروف ، أي استفراغ الوسع في كشف الحكم الشرعي عن أدلّتها ، بينما ليس مرادهم ذلك ، بل الاجتهاد عندهم هو استفراغ الوسع في طلب المصالح والفاسد وتشريع الأحكام على وفقها من ناحية المجتهد فليس هناك حكم واقعي يطلبه المجتهد حتّى يلزم المحال . ثمّ إنّ للغزالي هنا في توجيه نظره كلاماً حاصله ما يلي : الكلام الكاشف للغطاء رحمه الله عن هذا الكلام المبهم هو أنّا نقول : المسائل منقسمة إلى ما ورد فيها نصّ وما لم يرد ، أمّا ما ورد فيه
--> ( 1 ) الأصول العامّة للفقه المقارن : ص 617 . ( 2 ) المصدر السابق .