الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
55
انوار الأصول
صغرى كون الاحتياط في الشبهات من مصاديق التقوى الواجبة ، فإنّها عبارة عن الإتيان بالواجبات والاجتناب عن المحرّمات ، وأمّا ترك الشبهات فهو مرتبة عالية من التقوى ولا دليل على وجوبها بجميع مراتبها كما أنّ الاجتناب عن المكروهات أيضاً من مراتبه وهو غير واجب . الطائفة الثانية : ما دلّ على النهي عن القول بغير علم : منها قوله تعالى : « إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ » « 1 » . ومنها قوله تعالى : « قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا . . . وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ » « 2 » . وتقريب الاستدلال بها أنّ الحكم بترخيص الشارع لمحتمل الحرمة افتراء وقول عليه بغير علم حيث إنّه لم يأذن فيه . والجواب عنها : أنّ الترخيص في محتمل الحرمة حكم ظاهري ثابت بأدلّة قطعيّة ، فليس هو قول بغير علم بل إنّه صادق في الحكم بوجوب الاحتياط لعدم دليل عليه . الطائفة الثالثة : ما دلّ على النهي عن الإلقاء في التهلكة ، وهي قوله تعالى : « وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » « 3 » بتقريب أنّ الإقدام في الشبهات مصداق من مصاديق الإلقاء في التهلكة . ويرد عليه : أنّ الاستدلال بها غير تامّ صغرى وكبرى ، أمّا الصغرى ، فلأنّ كون ارتكاب المشتبهات من مصاديق الإلقاء في التهلكة أوّل الدعوى ومصادرة بالمطلوب لعدم دليل عليه ، وأمّا الكبرى ، فلأنّ النهي الوارد في هذه الآية يكون من قبيل النواهي الواردة في باب الإطاعة لأنّ التهلكة عبارة عن العقاب الأخروي الناشئ من العصيان ، وقد مرّ في مبحث الأوامر والنواهي أنّ الواردة منها في باب الإطاعة إرشاديّة وإلّا يلزم التسلسل المحال ، فلا دلالة لهذه الآية على الحرمة ، هذا إذا كان المراد من التهلكة ما ذكرنا من العقاب الأخروي ، وأمّا إذا كان بمعنى الهلاكة الدنيويّة فلا ربط لها بالمقام كما لا يخفى .
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 169 . ( 2 ) سورة الأعراف : الآية 33 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 195 .