الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
458
انوار الأصول
واستدلّ المشهور على مقالتهم بأنّ النسخ قليل والتخصيص كثير بمثابة حتّى يقال : « ما من عام إلّا وقد خصّ » فيوجب شيوع التخصيص وندرة النسخ أن يكون ظهور الخاصّ في الدوام أقوى من ظهور العام في العموم . واستدلّ المحقّق الخراساني رحمه الله في مقابل المشهور بأنّ هذا البحث من صغريات البحث السابق ، أي دوران الأمر بين التقييد والتخصيص ، فإنّ النسخ هنا يرجع إلى تقييد الاطلاق الزماني للخاصّ ، والتقييد مقدّم على التخصيص ، لأنّ تقديم التخصيص أي تقديم الخاصّ متوقّف على ظهوره في الدوام والاستمرار الزماني ، وهو يستفاد من الاطلاق ومقدّمات الحكمة ، فيكون معلّقاً على عدم البيان ، والعموم الإفرادي للعام تنجيزي مستند إلى الوضع فيكون بياناً له . وأجاب عن الوجه المعروف في ترجيح التخصيص على النسخ من غلبة الأوّل وندرة الثاني ، بأنّ هذا ممّا لا يوجب أقوائيّة ظهور الكلام في الاستمرار الأزماني من ظهور العام في العموم الإفرادي ، إذ ليست غلبة التخصيص مرتكزة في أذهان أهل المحاورة بمثابة تعدّ من القرائن المكتنفة بالكلام وتوجب اقوائيّة الظهور . أقول : التحقيق في المسألة يستدعي تحليل ماهية النسخ أوّلًا ، فنقول : الصحيح أنّ النسخ ابطال للإنشاء كالفسخ . توضيح ذلك : أنّ للحكم مرحلتين : مرحلة الإنشاء ومرحلة الفعليّة ، وبعبارة أخرى : مرحلة الإرادة الاستعماليّة ومرحلة الإرادة الجدّية ، والتقييد بالمنفصل إنّما هو تصرّف في الإرادة الجدّية وهكذا التخصيص ، وأمّا الإرادة الاستعماليّة فهي باقية بقوّتها بخلاف النسخ ، فإنّه إبطال للإنشاء من حين وروده نظير الفسخ فإنّ الفاسخ في خيار الفسخ يبطل إنشاء البيع حين الفسخ ، وهذا ممّا ندركه بوجداننا العرفي وارتكازنا العقلائي في القوانين الجديدة العقلائيّة ، فكما أنّ فيها تخصيصات وتقييدات يدرجونها تحت عنوان التبصرة ، وهي تمسّ بإرادتهم الجدّية في القوانين السابقة ، كذلك لهم نواسخ تتعلّق بإرادتهم الاستعماليّة بالنسبة إلى القوانين الماضية ، وبالجملة أنّ النسخ هو الفسخ يتعلّق بالإنشاء ( إلّا أنّ النسخ في القانون والفسخ في المعاملات والعقود ) فلا يكون من قبيل التقييد الذي يتعلّق بالإرادة الجدّية . هذا مضافاً إلى أنّ الإنشاء في القوانين كالإيجاد ، ويكون بذاته باقياً في عالم الاعتبار إلى