الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
459
انوار الأصول
الأبد ، فدوامه واستمراره لازم لذاته وماهيّته ، لا أنّه يستفاد من الاطلاق اللفظي لأدلّته حتّى نتكلّم عن تقييده وعدمه ، وأمّا ما ورد في الحديث الشريف « حلال محمّد صلى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه . . . » فهو ناظر إلى خاتمية الشريعة المقدّسة لا إلى الاطلاق اللفظي لأدلّة قوانينها . فقد ظهر إلى هنا عدم تمامية ما استدلّ به على تقديم النسخ ، والحقّ ما ذهب إليه المشهور وهو تقديم التخصيص ، لأنّ النسخ يحتاج إلى دليل قطعي بخلاف التخصيص الذي يثبت حتّى بخبر الواحد الثقة . هذا - مضافاً إلى أنّ سيرة الفقهاء في الفقه على تقديم التخصيص كما يشهد عليها عدم السؤال والفحص عن تاريخ صدور العام والخاصّ ، فإنّ النسخ لا بدّ فيه من الفحص عن التاريخ حتّى يتبيّن المقدّم منهما والمتأخّر فيكون المتأخّر ناسخاً والمتقدّم منسوخاً ، فعدم فحصهم عن تواريخ صدور الأحاديث من أقوى الدليل على ترجيحهم التخصيص على النسخ . بقي هنا شيء : وهو إنّا بعد ملاحظة العمومات والتخصيصات الواردة في الكتاب والسنّة والأحاديث الصادرة عن الأئمّة المعصومين صلوات اللَّه عليهم نرى أنّ هناك مخصّصات وردت بعد حضور العمل بالعمومات ، فورد مثلًا عام في الكتاب أو السنّة النبوية مع أنّ خاصّه ورد في عصر الصادقين عليهما السلام ، فإن قلنا بكونه مخصّصاً للعام يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وإن قلنا بكونه ناسخاً يلزم كون الإمام عليه السلام مشرّعاً ، مع أنّه حافظ للشريعة ، ولو قبلنا إمكان تشريعه ونسخه بعد توجيهه بإرادة كشف ما بيّنه النبي صلى الله عليه وآله عن غاية الحكم الأوّل وابتداء الحكم الثاني لم يمكن قبوله هنا ، لأنّ غلبة هذا النحو من التخصيصات تأبى عن هذا التوجيه ، فما هو طريق حلّ هذه المشكلة ؟ وقد ذكر لحلّها وجوه : 1 - أن يكن الخاصّ ناسخاً ، ولكنّه قد نزل في عصر النبي صلى الله عليه وآله ولم تكن هناك مصلحة في إبرازه فأودع النبي صلى الله عليه وآله أمر إبرازه بيد الإمام عليه السلام ، وبعبارة أخرى : أنّ النبي صلى الله عليه وآله أودع عندهم علم أجل الحكم وانتهائه ، فهم يبيّنون غاية الحكم وأمده بعد حلول أجله .