الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

426

انوار الأصول

موارد الشبهات البدوية أيضاً به ، لما مرّ هناك من أنّ مقاصد المولى لا تكون أقلّ أهمية من مقاصد العبد نفسه ، فكما أنّ العقل يحكم بالاحتياط فيما إذا احتمل العبد كون هذا الطعام مثلًا مضرّاً ضرراً معتدّاً به حفظاً لمقاصده الشخصية ، كذلك يحكم به فيما إذا احتمل كون هذا الشيء مبغوضاً لمولاه . وعلى هذا فالأصول العقليّة اثنان لا ثلاثة ، نعم إنّ بناء العقلاء قام على البراءة ، فلا يؤاخذون العبيد والمأمورين بشيء قبل البيان الواصل إليهم ، وقد أمضاه الشارع أيضاً . ولكن لا يخفى أنّه ليس فارقاً فيما هو المهمّ في المقام ، لأنّ موضوع البراءة سواء كانت عقليّة أو عقلانيّة هو عدم البيان ، وبعد قيام الاستصحاب يتبدّل عدم البيان إلى البيان . وكيف كان ، لا إشكال في أنّ الاستصحاب وارد على الأصول العقليّة لأنّ موضوعها يرتفع به ، أمّا البراءة العقليّة ( أو العقلائيّة ) فلما عرفت آنفاً ، وأمّا الاحتياط العقلي فلأنّ موضعه عدم الأمن من العقوبة فيما إذا علم إجمالًا بخمريّة أحد الإنائين مثلًا ، ومع استصحاب خليّة أحدهما ينحلّ العلم الإجمالي من أصله ويحصل الأمن من العقاب ، وهكذا في التخيير العقلي ، فإنّ موضوعه عدم الترجيح بين المحذورين والاستصحاب مرجّح . هذا في الأصول العقليّة . وأمّا الأصول الشرعيّة المنحصرة في البراءة الشرعيّة فقد وقع النزاع في وجه تقديم الاستصحاب عليها فذهب المحقّق الخراساني رحمه الله إلى أنّ الاستصحاب وارد « 1 » على البراءة الشرعيّة بمعنى كونه رافعاً لموضوعها ( أي الشكّ ) بعد قيامه . وقال في توضيح مرامه ما حاصله : إن قلت : هذا لو أخذ بدليل الاستصحاب في مورد الأصول ، ولكن لما ذا لا يؤخذ بدليلها ويلزم الأخذ بدليله ؟ قلنا : لأنّه لو أخذنا بدليل الاستصحاب لم يلزم منه شيء سوى ارتفاع موضوع سائر الأصول بسببه ، وهذا ليس بمحذور ، وأمّا لو أخذنا بدليل البراءة الشرعيّة دون الاستصحاب فيلزم منه إمّا التخصيص بلا مخصّص إن رفعنا اليد عن الاستصحاب الجاري في مورد البراءة الشرعيّة بدون مخصّص لدليله ، وإمّا التخصيص على وجه دائر إن رفعنا اليد عنه لأجل كون

--> ( 1 ) إنّه لم يعبّر بالورود في كلامه ، ولكنّه حيث قال : « فالنسبة بينها وبينه هي بعينها النسبة بين الأمارة وبينه » وكان مبناه هناك الورود فليكن هنا أيضاً كذلك .