الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
427
انوار الأصول
البراءة الشرعيّة مخصّصة لدليله ، فإنّ مخصّصيتها له ممّا يتوقّف على اعتبارها معه ، واعتبارها معه ممّا يتوقّف على مخصّصيتها له ، وهو دور محال ( انتهى كلامه مع شرح وتوضيح ) . ولكن يرد عليه : أنّ موضوع البراءة الشرعيّة إنّما هو الشكّ في الحكم الواقعي ، وهو باقٍ على حاله واقعاً حتّى بعد قيام الاستصحاب ، لأنّ المفروض أنّ الاستصحاب ليس أمارة حتّى يحصل به الاطمئنان بالواقع ، أضف إلى ذلك أنّه يجري عين هذا البيان ( لزوم التخصيص بلا مخصّص أو التخصيص على وجه دائر ) في الطرف المقابل أيضاً ، لأنّهما في عرض واحد ولسانهما واحد . وذهب المحقّق النائيني رحمه الله إلى أنّه حاكم على البراءة الشرعيّة من باب « أنّها من الأصول غير التنزيلية ( غير المحرزة ) فيكون الاستصحاب المتكفّل للتنزيل رافعاً لموضوعها بثبوت التعبّد به شرعاً فيكون حاكماً عليها » « 1 » . ولكن يرد عليه أيضاً : أوّلًا : ما مرّ سابقاً من أنّه لا فرق من هذه الجهة بين الأمارة والأصل ، فإنّ الشكّ مأخوذ في موضوع كليهما ، حيث إنّ الوارد في دليل حجّية الأمارة أيضاً « فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ » ( أي عند الشكّ وعدم العلم ) ، نعم كأنّه قال : « اسألوا حتّى تعلموا » فالغاية هو العلم بالواقع والوصول إلى الواقع ، بخلاف الأصل فإنّه لمجرّد رفع الحيرة في مقام العمل ، وبه لا يصل المكلّف إلى الواقع . ثانياً : أنّ مفاد دليل الاستصحاب إنّما هو النهي عن نقض اليقين السابق حيث يقول : لا تنقض اليقين ( أي اليقين السابق ) بالشكّ ، ولا يقول : لا تنقض لأنّك على يقين من الحكم المتيقّن سابقاً حتّى يكون مفاده تنزيل المؤدّى منزلة الواقع . ثمّ إنّ للشيخ الأعظم رحمه الله بياناً آخر للحكومة أي حكومة الاستصحاب على البراءة الشرعيّة بالنسبة إلى بعض أدلّتها مثل قوله عليه السلام : « كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي » ونحوه ، وإليك نصّ كلامه : « إنّ دليل الاستصحاب بمنزلة معمّم للنهي السابق بالنسبة إلى الزمان اللاحق فقوله عليه السلام : « لا تنقض اليقين بالشكّ » يدلّ على أنّ النهي الوارد لا بدّ من إبقائه وفرض
--> ( 1 ) أجود التقريرات : ج 2 ، ص 494 ، طبعة مؤسسة مطبوعات ديني .