الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

396

انوار الأصول

اليقين بالوجوب ، وقد ذكر هذا المثال المحقّق النراقي رحمه الله في كلامه عند الاستدلال لعدم جواز إجراء الاستصحاب في الشبهات الحكميّة . ثانيهما : ما قد يكون في أطراف العلم الإجمالي بعد العلم التفصيلي ، كما إذا كانت في البين ذبيحة وميتة ، ثمّ اختلطا واشتبه الأمر علينا فلا نعلم أيّتهما ذبيحة وأيّتهما ميتة ؟ فلا يمكن إجراء استصحاب عدم التذكية في كلّ واحد منهما ، لا لوجود العلم الإجمالي بأنّ أحدهما مذكّى ، لأنّ العلم الإجمالي يمنع عن جريان الأصل في أطرافه إذا استلزم مخالفة عمليّة ، ولا يخفى أنّه لا يلزم من إجراء استصحاب عدم التذكية في كلا الطرفين مخالفة عملية ، بل الإشكال في انفصال زمان الشكّ عن زمان اليقين ، حيث إنّ زمان اليقين بعدم التذكية في كليهما إنّما هو زمان حياتهما ، وزمان الشكّ هو بعد الاختلاط وبعد فصل اليقين بصيرورة أحدهما مذكّى وصيرورة الآخر ميتة . هذا كلّه في المقام الأوّل ، وهو ما إذا كان كلّ من الحادثين مجهول التاريخ . أمّا الموضع الثاني : ( وهو ما إذا كان أحدهما مجهول التاريخ والآخر معلوم التاريخ ، كما إذا علمنا في المثال السابق بوقوع الملاقاة في يوم الأحد ، ولا نعلم أنّ الكرّية هل وقعت يوم السبت حتّى لا تؤثّر الملاقاة في نجاسة الماء أو وقعت بعد الأحد حتّى يكون الماء نجساً ؟ ) فيجري فيه أيضاً الأقسام الخمسة المذكورة في المقام الأوّل ، كما لا كلام في أربعة منها هنا أيضاً ، بل إنّما الكلام والإشكال في مفاد ليس الناقصة ( والمراد منه - كما أشرنا سابقاً - ما إذا كان الأثر مترتّباً مثلًا على عدم كون الماء كرّاً في زمن الملاقاة وعلى عدم كون النجس ملاقياً للماء إلى أن صار كرّاً ) . فقد حكم الشيخ الأعظم رحمه الله فيه بجريان استصحاب العدم في خصوص مجهول التاريخ دون معلوم التاريخ ، ومقتضى ما ذكره المحقّق الخراساني رحمه الله عدم جريانه فيهما لما عرفت من شبهة انفصال زمان الشكّ عن زمان اليقين فيه أيضاً ، كما أشار إليه في بعض كلماته في المقام ، لأنّ المفروض أنّ زمان الشكّ بالنسبة إلى مجهول التاريخ هو يوم الأحد ( فإنّه يوم الملاقاة ) وزمان اليقين بعدم الكرّية هو يوم الجمعة ، ولكن الجواب هو الجواب فلا نعيد . هذا بالنسبة إلى مجهول التاريخ . وأمّا معلوم التاريخ فذهب الشيخ الأعظم رحمه الله إلى عدم جريان استصحاب العدم فيه كما مرّ ، آنفاً وتبعه عليه جماعة آخرون .