الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
253
انوار الأصول
عمليّة لكيفية الهجوم على العدوّ ، كلّ هذه الأمور موكولة إلى نظر السلطان وولي الأمر ، وتكون من شؤون ولايته ، فالوالي بما أنّه والٍ لا يكون مأموراً إلّا بما ذكر ، ولذلك سمّينا الأحكام السلطانية بالأحكام الإجرائية الجزئيّة التي تختلف باختلاف الظروف المختلفة . نعم ، يمكن أن يكون حكم الحاكم كلّياً بالإضافة إلى مقطع خاصّ من الزمان ، كتحريم شرب التتن التي صدرت من ناحية الميرزا الشيرازي رحمه الله ، ولكنّها أيضاً كانت حكماً إجرائيّاً صدرت منه في سبيل إجراء حكم إلهي كلّي وهو المنع عن استيلاء الكفّار على المسلمين : « وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا » « 1 » . بل يمكن أن يقال : إنّها لم تكن من الأحكام السلطانيّة أصلًا بل هي من الأحكام الإلهيّة الثانويّة التي تجب بتحقّق عناوين ثانوية ، فإنّ شرب التتن في ذلك الزمان حيث إنّه صار مقدّمة لاستيلاء الكفّار المحرّم ومصداقاً من مصاديق المحاربة مع صاحب الولاية عليه السلام صار حراماً من باب أنّه مقدّمة للحرام ، ومقدّمة الحرام من العناوين الثانوية ، نعم تطبيق العناوين الثانوية على موضوعاتها ومصاديقها أيضاً من شؤون ولاية الحاكم . إذا عرفت هذا فنقول : لا إشكال في أنّ الضرر والضرار من الموضوعات الكلّية التي لها في الشرع حكم كلّي لا محالة ، وتكون في حيطة التشريع الإلهي ، وليست من سنخ تلك الأمور الخاصّة التي تكون في حيطة سلطنة ولي أمر المسلمين . وبعبارة أخرى : المعلوم من مذهبنا عدم خلوّ واقعة من حكم إلهي ، وإنّه لا فراغ من ناحية القانون في الشريعة المقدّسة الإسلاميّة حتّى بالنسبة إلى أرش الخدش ، وما يسمّى اليوم في الحكومة الإسلاميّة بمجلس التقنين فهو بمعنى تطبيق الكلّيات على موضوعاتها لا الجعل والتشريع كما لا يخفى على أحد . إن قلت : إن لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله مقام التشريع والتقنين فما هو المراد من فرض النبي صلى الله عليه وآله في بعض الروايات في مقابل فرض اللَّه تعالى ، كالرواية الواردة في باب الصّلاة ، القائلة بأنّ الركعة الأولى والثانية فرض اللَّه ، والركعة الثالثة والرابعة فرض النبي صلى الله عليه وآله ، وأنّه فوّض إليه صلى الله عليه وآله هذا المنصب ؟ فليكن ما نحن فيه أيضاً من هذا القبيل .
--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 141 .