الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
226
انوار الأصول
هذا ، ولكن يمكن الجواب عنه بأنّ الإمام عليه السلام ( على أي حال ) أسند منعه إلى عنوان الضرر لا إلى عنوان العدوان والتعدّي على حقّ الغير ، وهذا كافٍ في الاستدلال به على المقصود ، ولا يبعد حينئذٍ الغاء الخصوصيّة عن موردها ، والحكم بعدم جواز الاضرار مطلقاً . ومنها : ما رواه الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان في ذيل قوله تعالى : « مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ . . . » قال : جاء في الحديث « أنّ الضرار في الوصيّة من الكبائر » « 1 » . والظاهر ( بقرينة سائر الروايات الواردة في الباب ) أنّ المراد من الضرار في الوصيّة هو الوصيّة بتمام المال أو بأكثر من الثلث ، وهو بنفسه حرام ، ولذلك لا يتمّ الاستدلال بهذه الرواية لما نحن فيه ، اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ حكمة جعل هذا الحكم هو حرمة الاضرار ، فيكون حاكماً على عموم قاعدة السلطنة ، ولازمه حكومة قاعدة لا ضرر على تلك القاعدة أيضاً فتأمّل ، ولا يخفى أنّها ناظرة إلى الحكم الوضعي . ومنها : ما رواه طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « إنّ الجار كالنفس غير مضارّ ولا إثم » « 2 » . ومنها : ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعته يقول : « المطلّقة الحبلى ينفق عليها حتّى تضع حملها وهي أحقّ بولدها أن ترضعه بما تقبله امرأة أخرى ، يقول اللَّه عزّ وجلّ : « لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ » « لا يضارّ بالصبي ولا يضارّ بامّه في إرضاعه . . . » « 3 » . ومنها : ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن الشيء يوضع على الطريق فتمرّ الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره فقال : كلّ شيء يضرّ بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه » « 4 » . فتدلّ على أنّ الاضرار بالغير ولو كان بالتصرّف في الشارع العام موجب للضمان وأنّه لا فرق بين أن يكون الاضرار بالمباشرة أو بالتسبيب .
--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 13 ، أبواب الوصايا ، الباب 8 ، ح 4 . ( 2 ) المصدر السابق : إحياء الموات ، الباب 12 ، ح 2 . ( 3 ) المصدر السابق : ج 15 ، أبواب أحكام الأولاد ، الباب 70 ، ح 7 . ( 4 ) المصدر السابق : ج 19 ، أبواب موجبات الضمان ، الباب 9 ، ح 1 .