الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

363

انوار الأصول

وجوب تحصيله وعدمه ، وأنّه هل يكون تحصيله غير واجب كسائر شرائط التكليف ، أو له خصوصيّة من بينها فيجب تحصيله ؟ وهكذا بالنسبة إلى العلم بالمكلّف به ، فإذا علمنا بأصل وجوب الحجّ مثلًا وعلمنا أيضاً بحصول الاستطاعة في السنة اللّاحقة فهل يجب تحصيل العلم بمسائل الحجّ أو لا ؟ المعروف والمشهور وجوب تحصيل العلم في القسم الأوّل ، أي العلم بأصل التكليف ، ويمكن أن يستدلّ له بوجوه : الوجه الأوّل : أنّ تحصيل العلم واجب نفسي ، فهو واجب مع قطع النظر عن كونه مقدّمة لواجب آخر ، وتدلّ عليه آيات وروايات نظير ما ورد في بعض الأخبار من أنّه يسأل عن الإنسان يوم القيامة : هلّا عملت ؟ يقول : ما علمت ، فيقال له : هلّا تعلّمت ؟ وما ورد عن الصادق عليه السلام : « ليت السّياط على رؤوس أصحابي حتّى يتفقّهوا في الدين » ، ونظير آية النفر التي تدلّ على وجوب تحصيل العلم ووجوب تعليمه معاً . وفيه : أنّ العلم في أمثال المقام طريقي لا موضوعي ، ولذا لو أتى بالواقع من طريق الاحتياط أجزأه قطعاً ولا يؤاخذ على ترك تحصيل العلم مع أنّه لو كان واجباً نفسياً لم يجز العمل بالاحتياط في موارد الجهل بالحكم . الوجه الثاني : العلم الإجمالي بوجود تكاليف في الشريعة حيث يقتضي تحصيل العلم التفصيلي بها للامتثال . وهو جيّد في الجملة ، ويمكن النقاش فيه بأنّ لازمه عدم وجوب الفحص وتحصيل العلم بالتكليف إذا علم بالمقدار المعلوم إجمالًا وانحلّ العلم الإجمالي بسبب ذلك ، مع أنّ الفحص واجب مطلقاً حتّى مع الشكّ البدوي في وجوب تكليف . الوجه الثالث : حكم العقل ( أو بناء العقلاء ) وهو العمدة ، فإنّ العبد موظّف في مقابل مولاه وحقّ العبوديّة والطاعة أن يفحص عن تكاليف المولى في مظانّها ، نعم ، له العمل بالاحتياط وترك تحصيل هذا العلم ، وأمّا الأخذ بالبراءة من دون فحص فهو أمر غير جائز كما يتّضح لك بالرجوع إلى أهل العرف في مناسبات الموالي مع عبيدهم . نعم بعد الفحص بالمقدار المتعارف بين العقلاء يجوز التمسّك بالبراءة لعدم العلم بتحقّق التكليف مع أنّه لو كان من شرائط الوجود لكان الأصل فيه الاشتغال . هذا كلّه في العلم بالتكليف .