الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
249
انوار الأصول
تعالى . وبعبارة أخرى : كما أنّ الوجود بالأصالة مختصّ بذاته تعالى ، وغيره موجود بإرادته ، فكذلك الأفعال الإنسانيّة منسوبة إلى اللَّه تعالى بالأصالة ومنسوبة إلى العباد بسبب أنّ اللَّه تعالى أعطاهم القدرة والاختيار والقوّة . الجواب الثاني : أنّ هذا التعبير وارد في شأن غزوة بدر التي تختصّ بالامدادات الغيبية ونزول الملائكة حيث إنّ القتل إمّا أن يكون قد تحقق بأيدي الملائكة ، فسلب القتل عن المقاتلين لا بأس به ، وإمّا أن يكون قد صدر من المقاتلين مع نصرة من الملائكة فكذلك يمكن سلب القتل عنهم بهذا الاعتبار ، أي لولا الامداد الغيبي ونصرة الملائكة لم تقدروا على شيء ، وحينئذٍ يصدق قوله تعالى : « وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ » . هذا بالنسبة إلى الفقرة الأولى ، وأمّا الفقرة الثانيّة فالمراد منها أنّ تأثير الرمي كان من اللَّه تعالى ، أي وما رميت إذ رميت رمياً مؤثّراً ، والشاهد على هذا وجود إسنادين في الآية ، فكما أنّه تعالى يسند الرمي إلى نفسه يسنده إلى رسوله أيضاً ، وهذا يشهد على أنّ المقصود من الرمي الأوّل إنّما هو رمي التراب أو الحصى ، ومن الرمي الثاني تأثيرها في قبض عيون الناظرين كما في الرّوايات « 1 » ، وبالجملة الفقرتين كلتيهما تفسّران بالقرينة المقاميّة الموجودة في الآية . الطائفة الرابعة : ما تدلّ على أنّ الإيمان والعمل بجعل اللَّه تعالى وبمساعدته نحو قوله تعالى : « رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ » « 2 » وقوله تعالى : « أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » « 3 » . والجواب عنها أوضح من الجواب عن الطائفة السابقة عليها ، فإنّها من قبيل التعبير الرائج بيننا من أنّ التوفيق بيد اللَّه ، والتوفيق عبارة عن تهيئة أسباب الخير ومقدّمات العمل الصالح على حدّ الاقتضاء والاعداد لا العلّية التامّة كما لا يخفى ، وأمّا المراد من كتابة الإيمان فهو إثبات
--> ( 1 ) فقد ورد في الرّوايات أنّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام : « ناولني كفّاً من حصى وناوله ورمىَ به في وجوه قريش فما بقي أحد إلّا امتلأت عيناه من الحصى » ( تفسير البرهان ذيل الآية 17 من سورة الأنفال ) وفي الدرّ المنثور ذيل نفس الآية : « أخذ رسول اللَّه قبضة من تراب فرمى بها » . ( 2 ) سورة إبراهيم : الآية 40 . ( 3 ) سورة المجادلة : الآية 22 .