الشيخ علي الغروي الإيرواني
208
الأصول في علم الأصول
فمناط حكم العقل اثنان ، فإن حكم على ألف بهذين المناطين فقد حكم على اثنين ، وبقوّته العمّالة يحرّك نحو هذين الاثنين بعثا وزجرا ، يبعث نحو الأوّل ويزجر عن الثاني بعد درك صغرى حكميه الأوّلين . فإذا علم أنّ هذا إحسان - والفرض أنّه حكم بحسن الإحسان - حرّك نحوه ، وإذا أدرك أنّ هذا ظلم - والفرض أنّه حاكم بقبح الظلم - زجر عنه . فالبعث والزجر قوّتان عمليّتان بصغرى وجدانيّة وكبرى عقليّة ، ومعنى وجوب متابعة القطع هو تحريك القطع نحو المقطوع ، لا حكم العقل بوجوب متابعة القطع وراء ما حكم كبرويّا في موضوع ما تعلّق به القطع . ومن هذا يظهر لك وجه عدم إطلاق الحجّة على القطع بالنسبة إلى متعلّقة ؛ فإنّ القطع محرّك نحو متعلّقه ، لا واسطة لثبوت متعلّقه ، فإذا قطعنا بوجوب شيء حرّك قطعنا ذلك نحو الإتيان بمتعلّقه ، وليس تحريكه ذلك من القضايا والدعاوى التي يقام عليها البرهان بمثل : هذا مقطوع الوجوب ، وكلّ مقطوع الوجوب واجب . ولو فرضنا كونها من القضايا والدعاوى أيضا لا يطلق عليه الحجّة ، لكن لا لما قيل من أنّ الحجّة اصطلاحا هو الوسط في البرهان ، والقطع بالوجوب ليس وسطا في البرهان ؛ فإنّه وإن صدق قولنا : هذا مقطوع الوجوب ، ولكن لا يصدق قولنا : كلّ مقطوع الوجوب واجب ؛ لأنّ الواجب ليس عنوان مقطوع الوجوب بل ذاته ، فإنّ ذلك ناشئ من توهّم اعتبار أن يكون الوسط معروضا للحكم في الكبرى ، وهو باطل ، وإلّا فأين يذهب البرهان الإنّي . نعم ، اللازم هو أن يكون الوسط في الكبرى ملازما للحكم ، كان معروضا له أو لازما أو ملازما معه أو كان عينه كما في كلّ إنسان حيوان ناطق . وإنّما الوجه في عدم إطلاق الحجّة عليه هو عدم كليّة الكبرى فإنّ « كلّ مقطوع الوجوب واجب » قضيّة كاذبة لخطأ القطع كثيرا . نعم ، لو رتّب القياس هكذا : هذا ممّا أنا قاطع فعلا بوجوبه ، وكلّ ما أنا قاطع فعلا بوجوبه فهو واجب ، لم يجر ما ذكرنا ؛ لأنّ القاطع لا يحتمل الخطأ . فالوجه في عدم إطلاق الحجّة عليه مع ذلك هو أنّ الصغرى - أعني قولنا : هذا مقطوع الوجوب - هو عين القطع بالمطلوب والنتيجة ، فما عساه أن تكون نتيجة لهذا ؟ وهل يبقى هناك مجهول يتوصّل بترتيب مقدّمات معلومة إليها ؟ وثانيا : أنّ وجوب المتابعة الذي ذكروه للقطع ليس هو للقطع ، بل هو ثابت لصفة