السيد محمد باقر الصدر

197

دروس في علم الأصول

ذلك كله بين الإرادة التكوينية ، والتشريعية . فالانسان لا يريد أن يشرب الدواء الا إذا رأى نفسه مريضا ، ولا يريد من مأموره ان يشرب الدواء الا إذا كان كذلك . ولكن إرادة شرب الدواء للمريض ، أو لمن يوجهه فعلية قبل أن يتناول الطعام . ولهذا فان المريض قد يتناول الطعام لا لشئ الا حرصا منه على أن يشرب الدواء بعده وفقا لتعليمات الطبيب ، وهذا يوضح ان تناول الطعام ليس قيدا للإرادة ، بل هو قيد للمراد بمعنى ان الإرادة فعلية ، ومتعلقة بالحصة الخاصة ، وهي شرب الدواء المقيد بالطعام ، ومن أجل فعليتها كانت محركة نحو ايجاد القيد نفسه . غير أن الإرادة التي ذكرنا انها مقيدة بشروط الاتصاف ليست منوطة بالوجود الخارجي لهذه الشروط ، بل بوجودها التقديري اللحاظي لان الإرادة معلولة دائما لادراك المصلحة ولحاظ ما له دخل في اتصاف الفعل بها لا لواقع تلك المصلحة مباشرة . وما أكثر المصالح التي لا تؤثر في إرادة الانسان لعدم ادراكه ، ولحاظه لها ، فشروط الاتصاف بوجودها الخارجي دخيلة في الملاك ، وبوجودها التقديري اللحاظي دخيلة في الإرادة فلا مصلحة في الدواء الا إذا كان الانسان مريضا حقا ، ولا إرادة للدواء الا إذا لاحظ الانسان المرض وافترضه في نفسه ، أو فيمن يتولى توجيهه . ونفس الفارق بين شروط الاتصاف ، وشروط الترتب ينعكس على المرحلة الثالثة ، وهي مرحلة جعل الحكم ، فقد علمنا سابقا ان جعل الحكم عبارة عن انشائه على موضوعه الموجود ، فكل شروط الاتصاف تؤخذ مقدرة الوجود في موضوع الحكم وتعتبر مشروطا للوجوب المجعول ، واما شروط الترتب فتكون مأخوذة قيودا للواجب . وإذا لاحظنا المرحلة الثالثة بدقة ، وميزنا بين الجعل والمجعول ، كما مر بنا في الحلقة السابقة ، نجد ان الجعل باعتباره امرا نفسانيا منوطا ، ومرتبطا بشروط الاتصاف بوجودها التقديري اللحاظي كالإرادة تماما لا